6- لفظة : التحسيس لا تعني الإشعار والإعلام(2)


تحدثنا في الحلقة الماضية في جريدة المحجة عدد 319 عن لفظة “حَسَّسََ التي يشتق منها “التحسيس”، ورجحنا أنها غير واردة أصلا في نظام قواعد اللغة العربية، وافترضنا أن القصد الذي يهدف إليه مستعملوا هذه اللفظة، هو الإشعار والإعلام حسب ما فهمناه من سياق استعمالها في بعض الفقرات التي وردت فيها مما وقفنا عنده، وختمنا بسؤال هو : هل يجوز لأي واحد منا أن يجعل غيره يُحسُّ، لو فرضنا أن “لفظة” التحسيس” سليمة الاستعمال في نظام اللغة العربية التواصلي؟!
انطلاقا من هذا السؤال نرى أن الأمر لا يتعلق بمناقشة صحة استعمال هذه اللفظة “التحسيس” أو عدمه، بل يتعداه إلى محاولة معرفة مدى صلاحية هذا الاستعمال في التعامل الإنساني أخلاقيا. لأن مادة (ح س س) عندما نشتق منها “حَسَّسَ تحسيساً” تعني النفاذ إلى حواس الآخرين لتوجيهها إلى رغبات خارجة عن إرادتهم في مثل قوله حسَّسْتُه بكذا، أي جَعَلْتُه أنا يحس به. ولذا كان بالإمكان معالجة الخطأ في هذه المسألة بعبارة قل كذا ، ولا تقل كذا، لكن الأمر حسب ما يبدو وأخطر من أن يعالج بهذه الطريقة نظرا لما يلي :
1- يتعلق الأمر بسلب إرادات الآخرين عندما نحسسهم بأمور لا يدركونها هم بإراداتهم.

2- هل كلمة “أَحَسَّ” على وزن أَفْعل تحتمل معنى الْجَعْل والتصيير في هذا السياق أي جعلناه يحس. هذا إذا تجاوزنا وقلنا بأن “حسَّس” بمعنى أَحَسَّ.

3- وورد مادة “حسَّ” وبعض مشتقاتها في القرآن الكريم يسهل وقوع الأخطاء في فهم الآيات وقلب مفاهيمها عند المتعلمين عن طريق التقليد في الاستعمالات اللغوية الخاطئة.

4- لكل كلمة دلالتها الخاصة بها مهما بدا أنها متقاربة في المعنى مع كلمة أخرى مرادفة لها، أو مفسرة لها ولذا سنقف عند الكلمتين : “حسَّ” و”شعر” لمعرفة أيهما أنسب في هذا السياق.
ونقف عند كل نقطة من بين هذه النقاط لنوضح تأثيرها السلبي ونقف عند كل نقطة من بين هذه النقط لنوضح تأثيرها السلبي في هذا الاستعمال الخاطئ. فيما يلي :
أولا : بخصوص النقطة الأولى التي تتعلق بسلب إرادة الآخرين باستعمال لفظة التحسيس، فمن المعلوم أن لكل إنسان حواسه التي يدرك بها المحسوسات في محيطه، ولا شك أن هذا الإدراك ذاتي؛ نابع من الداخل، وهذا يقتضي سلامة الحواس من جهة، وكون المحسوس على بعد منها لا يتجاوز قدرتها على إدراكه والإحاطة به من جهة ثانية؛ مع توفر إرادة المُدرك ورغبته في ذلك، وهذا لا يتم إلا إذا كان الشيء الذي نحسه مما يعنينا، إما برغبتنا فيه ، أو بقربه منا، وعند ذلك نستطيع أن نحسه ونعلمه.
يقول ابن منظور في تعريف الإحساس : “وقال ابن الأثير : الإحساس : العلم بالحواس، وهي مشاعر الإنسان كالعين، والأذن، والأنف، واللسان، واليد.

وحواس الإنسان : المشاعر الخمس، وهي الطعم والشم، والبصر، والسمع، واللمس …..50 – 49..

وعليه ينبغي أن تتضمن لفظة التحسيس جميع معاني الأفعال التي يصح إسنادها لجميع هذه الحواس دفعة واحدة لأن معنى الإحساس يقتضي ذلك، وهو أمر غير ممكن، ولوقفنا عند أي فعل يليق إسناده إلى أية حاسة من حواس الإنسان باعتبار وظيفته التي خلقه الله لأدائها مثل فِعْل شمَّ بالنسبة للأنف، وذاق بالنسبة للسان، ولمس بالنسبة لليد، وسمع بالنسبة للأذن، ورأى أو بصر بالنسبة للعين، لو وقفنا عند دلالة أي فعل من هذه الأفعال في حالة إسناد كل منها إلى فاعله، لا تضح أن تلك الأشياء التي يقال عنها أنها تحسيسية لا يمكن أن يشعر بها المعنى بها بالشكل المطلوب دفعة واحدة لسببين :
أولهما : أنه لا يمكن أن يشغل بخصوصها حواسه دفعة واحدة حتى يصح أن يقال في حقها الإحساس.
ثانيهما : أنها أي تلك الأشياء التحسيسية ليست قريبة من المعنى بها في الغالب شكلا ومضمونا، قلنا شكلا بأن تكون في حيه، أو طريقه التي يسلكها لقضاء مآربه، أو مؤسسته التي يشتغل بها، أو دواره أو مدشره….
وقلنا مضمونا بأن تلامس واقع حياته، وتخفف عنه المعاناة التي يعيشها منذ زمان.

وعليه فكيف يمكن أن نجعل غيرنا يحس بما نريد أن يحس به، وهو يلامسه في واقع حياته، ولا نستعمل خطابه الكلمات الدالة على ما نريد تبليغه إليه حسب ما تقتضيه قواعد اللغة السليمة.
ويبدو أن كلمة الإحساس لها دلالة عامة وهي العلم بالحواس كمفهوم عام لا تصلح للدلالة على شيء معين منفردا، ولذا تؤول بمعنى كلمة أخرى تدل على شيء معين مثل العلم والشعور. وفي هذا يقول الفيومي : “وأحس الرجل الشيء إحساسا علم به” المصباح المنير 74.
هكذا يتضح أن فعل أحس الذي مصدره إحساس يعني الإعلام والإشعار، ولعل هذا ما يقصده مستعملوا التحسيس.

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *