“دعوا ناقة” باراك أوباما  “فإنها  مأمورة”!!


كنت من الذين استخلصوا الدرس الكبير من زيارة أوباما لمصر، ومن الذين استبشروا خيرا بها، وأقول “خيرا”، انطلاقا من تصوري الخاص، لا تصور الأبواق العربية المنبهرة حد الهذيان، والتي اعتبرت زيارة أوباما بمثابة فتح عظيم، يتجاوز فتح مكة على يد الحبيب رسول الله .

وهناك من  الإخوة المصريين من راح في سيولة قلمية محزنة  يزايد على الإخوة العرب ويفاخر بنزول الضيف الأمريكي الأسطوري على أرض أم الدنيا دون غيرها، وفي ذلك ما فيه من العناية الإسثتنائية التي تكنها الإدارة الأمريكية للمحروسة مصر كلاعب أساسي لا استغناء عن دوره في القضية الفلسطينية. وكان الأمر أشبه بحادثة ناقة رسول الله  حين راح العرب يزايدون على بعضهم البعض حول من هو الأحق باستضافة رسول الله وناقته، فتقدم سادة القبائل ووجوه عائلته الكرام من أخواله  إلى الموكب راجين حظوته، وكان رسول الله  كلما ساق أحدهم الناقة إلى مرابعه قال عليه السلام : خَلُّوا سبيلَها فإنها مأْمُورة..

نعم، كان الأمر أشبه بمهزلة إزاء تلك المزايدات التي راحت تستنبط الأعاجيب من حط رحال ناقة أوباما المأمورة في مصر وتوجيه الخطاب من مصر دون السعودية!!..

أما عن الترويج لزيارة أوباما، والحملة العملاقة التي تم بها التسويق لخطابه من خلال وسائل الإعلام العربية فكَشَفَ للأسف الكبير قصورًا سياسيا خطيرا لدى مجموعة من المنابر الإعلامية التي وضعت كل بيضها في سلة التهليل اللامشروط لزيارة أوباما لا لشيء إلا لأن الرجل  يحمل جذورا إسلامية  “محدودة”! ويتشكل اسمه الثلاثي من إسم إسلامي.. ولأنه رئيس أكبر دولة من أبٍ مسلم!! فهم بمثابة من توجَدُ أمهُ في العرس كما يقول المثل المغربي!!

وكأنَّ العرب والمسلمين لم يُبْتَلُوا بثلة من أبنائهم البررة الذين يحملون جذورا إسلامية عريقة أباوأما، و أسماؤهم إسلاميةٌ محمد وعبد الله وطه، ومع ذلك فهم أشد عداوة للإسلام من غيرهم!…

وجاء الرجل  إلى مصر وحُشد لاستقباله أكثر من 2500 شخص.. وقيل أن الرجل تم التصفيق له أكثر من أربعين مرة أثناء إلقائه لخطابه!! الذي يُعتبر خطابَ جرأة الأمل المعلق ولاشك!..

وحتى نفصل في الأمر قليلا لابُدّ من التوقف عند محطات هذا الفتح الخطابي والذي حمل مجموعة من المغالطات وجبت الإشارة إليها :

1- الرجل أوضح بكل جلاء أن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي هي عنفٌ مقيت على المقاومة التخلصُ منه، ولم يشرح لنا كيف يوقف المقاوم عُنْفَ حجارته وصواريخه التقليدية إزاء زحْف يومي تجريبي لكل أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية، في صدور نساء وأطفال الفلسطينيين في شبر صغير فقير من أرضهم، في حين يصول ويجول الاحتلال في أجود أراضيهم!!!

2- الرجل تكلم عن معاناة الشعب اليهودي التي لحقت به من جراء الغطرسة الألمانية وهي غطرسةٌ يرفضُها الإسلام بلا شك في حق أي شعب من الشعوب بما فيهم اليهود.. لكن الرجل لم يتكلم عن ملحمة معاناة الشعب الفلسطيني الذي يوجد منه خمْسُ ملايين لاجئ خارج أرض فلسطين المحتلة ولا حَقَّ لهم في العودة بدون أن يكون للشعب الفلسطيني أية مسؤولية فيما وقَعَ لليهود!!!

أفمن تمتْ إبادتُه، ثم هبَّ المجتمع الدولي هبَّةَ رجل واحد، وأوجَدَ لَهُ أرضًا آهلة سلَّمها إليه عنوة، ورمى بأهلها إلى المهاجر، أكْثَر معاناة من الذي أُخْرِج من دياره، وشُرِّد في منافي العالم، وتم البطْش بمن بقي من أهله في مجازر ينْدى لوحشيتها جبين الإنسانية.. ولُقِّب من رابط من أبنائه في الضواحي لمجاهدة المحتل إرهابيًّا؟!!

أين هي  المساواة والضمير الإنساني..وكيف تتم التسوية بين الجلاد والضحية؟؟!..

والتراجيدي في كل ذلك أن يُحْشَر الضحية في زاوية التحضُّر والإيمان بقيَم المحبة والسلام إن تخَلَّى عن المقاومة، ويُوصَمَ بالعنف والإرهاب إن طالَب بحقه العادل في أرضه، وجاهد بنفسه في سبيلها!!..

3- الرجل تكلم عن العراق وعن معاناة العراقيين من جراء الاحتلال الأمريكي، وفي تمويه بلاغي جد ذكي، هنأ الشعب العراقي على إيجابية التخلص من طاغية يدعى صدام حسين.

ولم يكلف نفسه عناء الصدق مع الشعب العراقي وهو  الذي قال في خطابه أنه سيقول قولا سديدا!! ليعتذر عن أكبر عملية بطش بشعب بتُهْمة باطلة وهي تهمة امتلاك صدام أسلحة الدمار الشامل، والمصيبة العظمى اغتيال ما يزيد عن 300 عالم نووي عراقي وعشرات الأساتذة الجامعيين من طرف الموساد الإسرائيلي بتواطؤ مع الجيش الأمريكي!!، ناهيك عن سرقة نفط ومتاحف وكل ثروات العراقيين!!

4- الرجل تكلم عن ذبح الأبرياء في دارفور والبوسنة، ولم يتكلم عن ذبح الأطفال بالعشرات في غزة وتشويه العزل الفلسطينيين، وقتلهم البطيء بالفسفور في حرب إبادة المقاومة بغزة، ولم يتكلم عن قتل وتشريد العشرات في أفغانستان يوميا بحجة تعقُّب طالبان وكأن المدنيين الأفغان مجردُ حشرات، تُقتل في الطريق بحثا عن طالبان، ويتمُّ التعويض الهزيل لمن بقي منها حيا!!..

ومع ذلك -وكما قلت في البداية- فقد استخلصت الدرس الكبير من هذه الزيارة،  كما تفاءلت منها خيرا. ورب ضارة نافعة بإذن الله.

وفي عجالة سأتوقف عند دواعي هذا التفاؤل على أن أفتح ملف الدرس الكبير من هذه الزيارة في الحلقة الثانية بعد رسُو مركب الانتخابات الجماعية  المغربية، وتوزيع الموزع، لأننا نحتاج إلى وقفة  مع الذات ومع الآخر لاستجلاء كوامن الداء التي جعلت ورثة الجغرافيات العلمانية من أمثال أوباما يٌخْلصون في الدفاع عن مصالح شعوبهم، وورثة المصطفى، يُخْلصون للكراسيِّ، عليها يحيَوْن، وفي سبيلها يجاهدون، وعليها يلقون الله!!

فأما بخصوص تفاؤلي من هذه الزيارة فإن قراءة متأنية لخطاب أوباما تجعل المرء يدرك لا محالة أن الله ناصر دينه فقد أجرى سبحانه كلمات الحق بخصوص عظمة الإسلام على لسان الرئيس الأمريكي  بشكل لم يسبق له نظير (قَصَدَ ذلك أم لم يَقْصد)، حيث كان أوباما محاضرا بارعا في ذكر أسبقية الإسلام في التأسيس للحضارة الإنسانية الرفيعة المبنية على المحبة والسلام و التسامح والتعايش بين الشعوب، كما انتصر (قَصَد أم لَمْ يقصد) لحق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب بشكل لم يسبقه إليه زعيم غربي في الغابرين أو الحاضرين، وجلجلت آيات الذكر الحكيم على شفتي أوباما صادعة (قصد أم لم يقصد) بعظمة دين السلام (لا دين الإرهاب) كما تخطط له قوى خفية، ستبوء بإذن الله بالبوار.

ولأن أوباما رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم (إلى حين)، وأقواله تعتبر بمثابة تنزيل للكتاب المقدس عند الغربيين فإن خطابه في القاهرة وصل حتما إلى بيوتهم، و خاصة منهم أولئك الذين يرون في المسلمين حفنة من رعاة الإبل الإرهابيين، وحتما سيعمل على زعزعة قناعاتهم المريضة عن المسلمين.

وللإنصاف، وبعيدا عن الأجندة الصهيونية المأمور بها كل من يلج البيت البيضاوي، فإن الرجل عملاق بما في الكلمة من معنى على مستوى تكوينه الفكري والتصوري لتنفيذ خارطة مواصلة هيمنة الإمبراطورية الأمريكية الرأسمالية الليبرالية العظمى.

وسنتوقف في حلقة قادمة عند هذا الجانب التدبيري الحازم في أوباما الذي نفتقر إليه في جملة من المتهافتين على المناصب ببلادنا، والذين نسمع هذه الأيام وبمناسبة الانتخابات ما يشيب له الولدان في وصف سلوكاتهم الجشعة، وسبحان الله هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، حتى وإن  تعلق الأمر بالعلوم الدنيوية!!

 ذة. فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *