خواطر عابرة – الإعلام مرة أخرى


لقطات ثلاث حدثت في أيام متلاحقة دفعتني أن أكتب مرة أخرى عن الإعلام، وعن الإعلام الغربي الرسمي المرئي والمسموع.
– اللقطة الأولى في طريقي من أكادير إلى مراكش ذات صباح باكر، شغّلت مذياع السيارة بحثا عن الإذاعة الوطنية، عبْر الموجات القصيرة والطويلة والموجات المعدلة، التقطتُ كل إذاعات الدنيا، إلا الإذاعة الوطنية التي لم أجد لها أثراً داخل وطننا العزيز.
– اللقطة الثانية في طريق لي آخر نحو الرشيدية، وفي وضح النهار وكعادتي حاولت أن أشغل المذياع بحثا عن الإذاعة الوطنية التقطتها فعلا، لكن الصوت لم يكن يسمع بشكل واضح ضغطت على الزر للبحث التلقائي عن موجة أوضح فإذا بي ألتقط فعلا موْجة أوضح، وبعربية أفصح، لكنها لم تكن موجة إذاعتنا الوطنية، بل موجة إذاعة خصوم وحدتنا الترابية، وفوجئت أن كان البرنامج يتحدث عن موضوع ينال من وحدتنا الترابية. ضغطت على الزر مرة أخرى، للعودة إلى الإذاعة الوطنية، لكنها تلاشت وعاد البحث التلقائي مرة أخرى إلى التقاط نفس الإذاعة، إذاعة خصوم وحدتنا الترابية، داخل أرضنا الوطنية.
– اللقطة الثالثة في شمال المغرب، وببيت في إحدى القرى، حاولت تشغيل جهاز التلفزة لالتقاط القناة المغربية الأولى أو الثانية عبر المحطة الأرضية، إذ لم يكن هناك جهاز للاتقاط الفضائي، لكن الذي كان يصك أذني في كل مرة قنوات جارتنا في الشمال، القنوات الإسبانية بمختلف أشكالها وألوانها ولم يكن بالإمكان التقاط المحطة التلفزية المغربية الأولى إلاّ في لحظات معدودة ليعود البث الإسباني الأجنبي ليغلب البث المغربي الوطني، داخل أرضنا الوطنية.
هذه لقطات ثلاث أحسست بها بشكل متوال، وشعرت خلالها بغياب إعلامي رسمي في مناطق يُحتاج فيها إلى مثل هذا الإعلام.
إنه من الغريب حقا أن يكون لدينا عدد من القنوات التلفزية الفضائية المتنوعة وأن تكون لدينا إذاعات محلية وجهوية تنعق بكل لسان لكن لا تكون لدينا قناة تلفزية أرضية تُلْتقط في ربوع الوطن أو على الأقل إذاعة وطنية، تكون وطنية فعلا، شكلا ومضمونا وتغطية ووضوحاً، وتنقل الرأي الوطني والأخبار الوطنية والمواقف الوطنية لجميع المواطنين، وخاصة أولئك الذين لا يمتلكون جهاز استقبال للإرسال التلفزي الفضائي… ولو قُدِّر لهم أن يملكوه لما فكروا في التقاط بثّ الأولى ولا الثانية ولا العاشرة، لهوان ما يبث أو يرسل عبر هذه الإذاعات أو القنوات.
جميل جدّاً أن تفكر قناتنا الفضائية المغربية في جالياتنا المنتشرة عبر العالم، ولكنه من المقرف ألا تفكر لا هي ولا قناتنا الأرضية ولا محطتنا الإذاعية الأرضية الوطنية في شرائح واسعة من المواطنين الذين لا يلتقطون -في أحسن الأحوال- إلا محطة إذاعية واحدة. تقدم إذاعتنا الوطنية في هذه الأيام وصلات إشهارية تحث المواطنين على التصويت في الانتخابات الجماعية المقبلة، ومما يرد في بعض هذه الوصلات ما يعبر عنه شخص يمثل من يسكن المناطق النائية ويعبّر عما معناه : >نريد فك العزلة عن قريتنا، نريد الطريق المعبد إلى المستشفى<… نعم! وصحيح! هذه مطالب مشروعة، وكان على المسؤولين الرسميين أن يوفروا مثل هذه الخدمات لا أن تقوم الإذاعة بإيهام المواطنين أن تحقيق مثل هذه الأمور يعود إلى التصويت بالذات.. لكن ألم يفكر القائمون على الإذاعة الوطنية في فك العزلة أولا عن صوت الإذاعة الذي من المفترض ألا يحجزه حاجز عن أي مواطن داخل الوطن، بل عن المواطنين خارج الوطن أيضا؟؟؟
ألم ينتبه هؤلاء المسؤولون إلى أن هذا الصوت الإعلامي لا يسمعه أحد من هؤلاء الذين يوجه إليهم الخطاب والقاطنين في أعالي الجبال وشعاب الوديان. من المؤسف جدّا أن تكون في وطنك وبين أحضان قومك ولا تتمكن من التقاط إذاعة تعبر عن هموم وطنك وحضارته وشؤونه، وتلتقط في المقابل كل إذاعات الدنيا بمختلف اللغات مما تفهمه ومما لا تعرفه. بل إنك تلتقط إذاعات عالمية تتحدث عن وطنك بلغتك وعن قضاياه الدقيقة طاعنة أو مهدمة أو مخرّبة أو نافثة للسموم والحقد ولا تجد إذاعة وطنية واحدة تبني وتشيّد وتقارب وتسدِّد.
أليس من الأفيد أن تكون لدينا قناة فضائية واحدة جادة، وإذاعة وطنية واحدة خادمة، تجذب المواطن المغربي المقيم والمهاجر على حد سواء وتأسره ببرامجها وتؤثر فيه بمكانتها وتجذبه بمصداقيتها عوض أن يكون لدينا هذا الغثاء من القنوات والإذعات التي لا تجدي شيئا في مجال كسب المصداقية؟؟!!

د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *