جَاذِبِيَّةُ الْقٌرْآنِ (2)


تقلبت عهود كثيرة ظهر فيها العديد من مشاهير البلغاء، ومدارس فكرية عديدة، ونظم عديدة، وفلسفات مختلفة. وقد حاول العديد منها هدم القرآن واستعملوا لهذا الغرض كل ما لديهم من وسائل، ومن سحر الكلام، من بيان وبلاغة لهدم القرآن، وخاضوا على الدوام غمار الحرب معه، ولكنهم غلبوا على الدوام وارتدوا على أعقابهم خائبين أمام الأسس القوية المتناسقة، والمنطقية، التي وضعها للكون وللوجود وللإنسان، والإيضاحات العميقة لهذه العلاقات.
أجل لقد أتى القرآن بنظرة متميزة للكون وللأشياء وللإنسان، بأسلوب غاية في الروعة والسحر. لأنه يتناول الإنسان ككل ضمن الوجود بأكمله، ولا يهمل أي شيء. بل يضع كل شيء مهما كان صغيرا في مكانه المناسب. الأجزاء فيه مرتبطة ارتباطا وثيقا ودقيقا بالكل.. والأجوبة المختلفة عن أدق الأسئلة التي تخطر ببال الإنسان في هذا المعرض الكوني الهائل ترد فيه. وبينما يقوم بتحليل أدق المسائل الموجودة سواء في عالم الشهود أم فيما وراء الأستار حتى أدق تفاصيلها، لا يدع هناك أي تردد أو شبهة أو علامة استفهام في العقول.. أجل ! إن القرآن في جميع هذه التفاصيل الدقيقة التي يوردها لا يدع أي فراغ في هذا الموضوع لا في العقول ولا في القلوب، ولا في المشاعر ولا في المنطق؛ لأنه يحيط بعقل الإنسان وبأحاسيسه، وبمشاعره، وإدراكه؛ بشكل يجعل الإنسان متوجها إلى الذات العلية. ومثل جميع السائرين في الطريق إلى الله تعالى ينتقل من الدهشة إلى الذهول، ومن الذهول إلى بحر من العواطف المتلاطمة، التي تجعله ينحني من الخشية وهو يقول: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي َلنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَاداً}(الكهف:109). إذن فهذا هو القرآن… المفتاح الذهبي لخزائن الكلمات التي لا تنفد ولا تنتهي، والإيمان هو شفرات أو أسنان هذا المفتاح السحري. ولا أعتقد أن من يملك مثل هذا المفتاح وهذه الشفرات سيحتاج إلى أي شيء آخر بخصوص مسائل القواعد والأسس العامة المتعلقة بالإنسان والوجود والكون.
ولا يتوهمن أحد أنني بكلماتي العاجزة هذه أقوم بسرد مديح للقرآن، فمن أنا لكي أمدح القرآن! !
وكما قال الشاعر:
من يستطيع وصفه سوى الله الوصاف!
الملائكة الكرام المصطفون صفا صفا
يصفونه ويعظمونه حتى تحسبهم في طواف
! وقد يظهر من لا يستطيع رؤية هذه الميزة الخارقة في موضع البلاغة وجواهر الكلام، ولكن من الواضح أن كل من يستعمل ضميره يعلم أنه لم يخطأ في أي وقت في هذا الصدد، ولا سيما إن أجال ناظريه وشاهد التأثير العالمي للقرآن.
لقد أحدث القرآن – في أول عهده بالنـزول، وأول عهده بتشريفه الدنيا – تأثيرا لا يمكن تصوره في الأرواح وفي العقول أيضا، بحيث أن درجة الكمال التي وصلت إليها الأجيال التي نشأت في جوه النوراني كانت معجزة قائمة بذاتها، لا نحتاج معها إلى ذكر أي نوع آخر من معجزاته. ولا يمكن العثور على أمثال لهم في مستواهم من ناحية التدين والتفكير وأفق الفكر والخلق ومعرفة أسرار العبودية. فالحقيقة أن القرآن قد أنشأ جيلا من الصحابة آنذاك، لا نبالغ إن قلنا إنهم كانوا في مستوى الملائكة! وحتى اليوم فهو يقوم بتنوير قلوب المتوجهين إليه، الناهلين من نبعه، ويهمس في أرواحهم بأسرار الوجود. والذين يَدَعُونَ أنفسهم بل أحاسيسهم ومشاعرهم وقلوبهم، وقابلية إدراكهم؛ تَسْـبَحُ في جوه الذي لا مثيل له؛ سرعان ما تتغير عواطفهم وأفكارهم، ويحس كل واحد بأنه قد تغير، بمقياس معين وأنه أصبح يعيش في عالم آخر. أجل ! ما أن يتوجه إليه الإنسان من كل قلبه، حتى لا يستطيع بعد ذلك الخلاص من تأثير سحره وجاذبيته.
إن القرآن يتناول الطالب الذي جذبه نحوه فيعجبه ويشكله من جديد، ويجعل منه شخصا آخر تماما… شخصا رقيقا ذا حساسية مرهفة، إلى درجة أن الإنسان يتأكد بأن أي تغير لا يكون إلا به، بل يمكن في أحيان كثيرة تحقيق العديد من الأمور والتي كان يخيل من قبل أنها مستحيلة التحقيق، حيث تتحول هذه الأمور في ظله إلى حالة اعتيادية مما يذهل الجميع. والقرآن يقول: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطَِّعَتْ بِهِ الارْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوتَى بَلْ لِلَّهِ الامْرُ جَمِيعاً}(الرعد: 13/31) لأنه أجرى في القلوب والعواطف والأحاسيس وفي العقول تأثيرا بالغ المدى بحيث أن هذا التأثير لا يقل غرابة عن تسيير الجبال أو عن تقطيع الأرض أو تكليم الموتى، أو عن إحياء أجساد بالية منذ آلاف السنين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *