تدافع وتدافع….


..شهد الأسبوع المنصرم سقوط ثلاثة عشر قتيلا جراء التدافع، أحد عشر قتيلا عند إحدى بوابات ملعب النهضة حيث كان “الستاتي” يختتم سهرات مهرجان موازين. وسيدتان سقطتا في تدافع أيضا عند بوابة سبتة المحتلة.
> وشتان بين الحادثتين والتدافعين؛ فإذا كان التدافع الأول بسبب الفرجة والنشاط (اللّي شاط). فإن التدافع الثاني كان بسبب الحصول على رغيف الخبر المبلل بعرق الذل والاستجداء عند بوابة سبتة حيث الامتهان والمسغبة، وجبة يومية لنساء ورجال المناطق المجاورة وهم في ضنك يومي لتهريب السلع من المدينة المحتلة لبيعها في الأسواق المغربية، يُساقون كالأنعام في طوابير مُضنية وهم مُحمّلون بالسلع التي يفوق وزنها وزن أجسامهم النحيفة والنخرة من جراء الفقر والمسغبة. يتعرضون كل يوم لكافة أنواع الشتائم والإهانات وحتى الضرب مُناصفة بين حرس الحدود الإسبان وحرس الحدود المغاربة.
> تدافع موازين بالرباط كان سببه النشاط والترفيه وما يصاحب ذلك من مظاهر السكر والعربدة؛ تزاحم المآت من الشباب وذوي العضلات المفتولة عند مخرج ضيق، فسقط البعض في حفرة هناك فداستهم الأقدام حتى الموت، والمخطئ طبعا هم المواطنون كالعادة فهم الذين (زربو) وعلى رأي المثل (اللي زربو ماتو) وهم الذين سقطوا في الحفرة حتى تدوسهم الأقدام ولله في خلقه أقوام.
> والعجب كل العجب أن الإزدحام إياه لم يحدث في السهرات التي تخصص لعلية القوم، كالسهرة التي أحياها المغني الأمريكي (Stevy wonder). أما سهرة “الستاتي” فقد حج إليها سكان الأحياء المهمشة؛ كدوار “الحاجة” والواد “الخانز” وحي “عكراش” ودوار “لاحونا” وغيرها من الدواوير والأحياء التي تحيلك أسماؤها إلى نوعية ساكنيها.
> فبالرغم من تباعد المسافة بين الحادثين إلا أنهما يحملان دلالة واحدة تحيلك على بعض التناقضات التي يعرفها مجتمعنا.
فمن جهة هناك وفرة وشبه إسهال في المهرجانات في الآونة الأخيرة. حتى أصبح لكل إقليم بل ولكل دوار مهرجانا خاصا به، تُشد الرحال إليه كما تشد إلى المواسيم والأضرحة. ومع كثرة هذه المهرجانات -ماشاء الله- يُخيل للمرء أن القوم في بحبوحة ورغد عيش.
> هذا من جهة، ومن هجة أخرى هناك فقر ومسغبة وامتهان يومي يجسده شباب ونساء باب سبتة وغيرها من المعابر الحدودية وهم يساقون كالأنعام في طوابير طويلة تذكرك بزمن العبودية.
> أما التناقض الآخر فهو ذلك الربط المشين بين هذه المهرجانات والثقافة والذي لا يمل منظموها وتجارها من ترديده بمناسبة أو بغيرها.. مدعين أن هذه المهرجانات والسهرات تلعب دوراً أساسيا في نشر الإشعاع الثقافي. وما أدري عن أيِّ ثقافة يتحدث هؤلاء؟ ومتى كانت المهرجانات الماجنة تخدم الثقافة؟
وأي ثقافة تنتظر من أناس صنعوا “أمجادهم” في ردهات البارات والعلب الليلية بين السكارى والمسطولين.
فإذا كان ما يقدمه هؤلاء ثقافة، فأقم على الثقافة مأثما وعويلا!!
> إن اعتراضنا هاهنا ليس على المهرجانات كمهرجانات وإنما الاعتراض على مهرجانات العري وتهييج الغرائز وتمييع الأذواق ونشر ثقافة الانحلال والتعري كما حدث في مهرجان موازين للسنة الماضية، حيث قام أحد الصعاليك الإسبان بالتعري فوق الخشبة أمام آلاف المتفرجين.
فمثل هذه المهرجانات هي التي ننتقذ وبالشدة اللازمة، أما المهرجانات الهادفة والجادة والتي تعمل على تهذيب الأذواق بالكلمة الرصينة والإىقاع الشجي والمواضيع الهادفة، فهذه لا اعتراض عليها لأنها فعلا توفر الفرجة الهادفة والترفيه النظيف.
وهذا ما ينبغي أن يعيه القائمون على هذه المهرجانات الرقيعة. فلا هي تقدم فنا راقيا وهادفا ولا هي وفّرت على البلاد والعباد نفقات وأموال طائلة تُعطى للتافهين والتافهات من أصقاع العالم وقد أصبحوا يُولّون وجوههم قِبل المغرب كل عام مرة أو مرتين ليُنفق عليهم إنفاق من لا يخشى الفقر.
وإنا لله وإنا إليه راجعون وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ذ. عبد القادر الوكيلي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *