الـمـنـظـور الإســلامـي للـبـيـئـة(1)


(الخامس من يونيو) اليوم العالمي للبيئة

الـمـنـظـور الإســلامـي للـبـيـئـة(1)

 تعددت طرق الفهم من مراد البيئة بسبب تعدد طرق الدراسة والبحث والتحليل، ولعل ذلك من مميزات المصطلح الدسم عن غيره من تلكم المصطلحات التي لا تقوى على لفت الانتباه إليها ووضع الإشكاليات حولها، فقد عُولج موضوع البيئة من المنظور الاجتماعي فأعطى فيه وعولج من المنظور الاقتصادي والسياسي وحتى النفسي فكان ثريا فيما ينتجه من معطيات ويبرزه من تجليات.

ولعل الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد عولج هذا الموضوع من وجهة عامة غير وجهة التخصص والتجزيء فدرس من وجهة نظر إسلامية ومن وجهة غير إسلامية، وذلك دليل على وجود اختلاف بين المنظور الغربي للبيئة والمنظور الإسلامي لها، إذ صلاح البيئة أو فسادها إنما هو مرهون بالإنسان نفسه، فإن صلح صلحت معه بيئته وإن طغى وفجر وفسد فسدت معه بيئته، فيكون هنالك فرق بين إنسان أسلم لجامه للإسلام فكان الإسلام له موجها ومرشدا فيستحيل أن يكون الإنسان هنا مفسدا فتستحيل بذلك فساد بيئته معه، وبين إنسان أسلم أمره للدنيا ونزواتها وشهواتها فأصبح عقله منقادا لما يرجوه في التطور و الازدهار من تحقيق نشوة زائفة، فلا شك في فساد هذا وفساد بيئته معه، وقد وجد فيهم وما أكثرهم من ينادي بمشروع كبير أطلق عليه اسم “قهر الطبيعة” واضعا بذلك نفسه عدوا ومدمرا ومسيطرا على البيئة التي يحيا وسطها ويبذل جهده من أجل استنزافها حتى ولو أدى ذلك إلى عموم القحط والجفاف والأوبئة والظواهر الطبيعية الغريبة من اتساع طبقة الأوزون والانحباس الحراري وزيادة مستوى البحار ونقصان الماء العذب وفيضان تسونامي وتدفق أنابيب المياه العادمة ومخلفات المصانع ومحطات توليد الطاقة التي تصب في مياه الأنهار والبحيرات والبحار والمحيطات، ويكفي في ذلك أن يدا غربية نجسة هي من ألقت بالقنبلة النووية على نكزاكي وهيروشيما والقنابل العنقودية والفسفورية على أهل غزة المساكين من العجزة والأطفال فأتلفوا العمران والإنسان ولم يكن للمسلم دخل في تسرب الغاز من مفاعل تشير نوبل في الاتحاد السوفياتي الذي أودى بحياة الإنسان والحيوان ولا في تضعضع هيكل ديمونة الإسرائيلي الذي يهدد الشرق الأوسط بأكمله، ببساطة إن صاحب هذا العمل والمنهج يستحيل أن يكون صديقا للطبيعة ومحافظا على البيئة فكفاكم أيها الغربيون كذبا علينا فأنتم أصحاب الخراب في هذه الحياة لا نحن.

ولعلنا نقتصر في هذه الدراسة على المنظور الإسلامي للبيئة لما التصق بالإنسان المسلم من آراء وتصورات خاطئة توحي بأن الإنسان المسلم جاء ليدمر لا ليبني، ولا أدل على ذلك من واقعه المعيش، فأنّى وُجِدَ المسلم إلا ووجدت شوارعه مكدسة بالأزبال والأوساخ ومستشفياته بالأوبئة والأمراض وأرضه بالقحط والجفاف وجسمه بالجراثيم والباكتيريا وحيثما وجد ظل شجرة في أرض إسلامية إلا ونازعتك فيها الروائح الكريهة ولا ماء راكدا إلا وقد قُضِيت الحاجة عنده ولا جاريا إلا وقد رميت الجيفة فيه، إلى غير ذلك مما يوحيه الواقع المعيش لحياة المسلم في عصرنا المعاش، وما يتهم به الإسلام من أنه دين جاء ليقضي على البيئة ويستنزف خيراتها ويفرض عليها جبروته بالسيف والقتل حتى أصبح الإنسان الغربي يفرض علينا قوانينه التي تحول بيننا وبين تدمير البيئة بفهمه الخاطئ المزعوم فما بين قانون حماية الطبيعة وحماية الغابة وقانون الراحة البيولوجية للأسماك وقانون الصيد البري والبحري والجوي وغيرها من القوانين التي تفرض على المسلم بوجه خاص، ولا يكون رد فعل المسلم فيها إلا التصفيق والانبهار والتبعية والإعجاب بما بلغه الغرب من احترام للطبيعة من دبلوماسينا المساكين أثناء توقيع الاتفاقيات مع كل من هب ودب زاعما في ذلك أنه يعلمنا كيف نحافظ على البيئة، فلا يوجد أكثر من هذا سخرية بالإنسان المسلم الذي جاء دينه بالأساس لحماية الأرض من الطغيان والفساد المؤذن بخراب العمران، والأعجب من ذلك أن مثل هذه الاتفاقيات أو الشركات كما يحلو للبعض أن يسميها تقام على أرض المسلمين ويوقع عليها أناس مسلمون فلا يوجد أبلغ من هذا سبا وشتما للإنسان المسلم، ولست بذلك معارضا لما يوقع من اتفاقيات في مثل تلك الأمور ولكني ناقم على عقليتنا المتخلفة التي جعلتنا مائدة ممتازة لكل من أراد أن يتناول عليها ما يحلو له من طعام، أمَا كان على المسلم أن يكون سبّاقا في ذلك حتى يلهث الغربي وراء المسلم يبغي منه توقيعا على شراكة يستفيد بها من الخبرة الإسلامية في نظافة الطرق والمؤسسات والمنازل، ألم يعقد أول مؤتمر إسلامي حول البيئة بمكة المكرمة سنة 630 ميلادية تحت الرئاسة الفعلية لرسول الله  والذي تضمن بيانه العام (أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد بها شجرة) وفي صيغة أخرى للبيان (لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط ساقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه)(1) بينما كان أول مؤتمر أوروبي حول البيئة سنة 1972 بمدينة استوكهلم تحت إشراف الأمم المتحدة، فيا لبعد ما بين الزمنين، ألم يكن أول من أوصى بالبيئة بعد رسول الله  أبو بكر حينما جاء قراره طبقا لما استفاده من المؤتمر النبوي حول البيئة حينما أوصى أحد قياد الجيش بقوله (ولا تقتلوا كبيرا هرما ولا امرأة ولا وليدا ولا تخربوا عمرانا ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه ولا تغدر ولا تمثل ولا تجبن)(2) بينما أوصى المستشرق المجنون عليه لعنة الله إلى يوم الدين “كيمون” في كتابه “باثولوجيا الإسلام” أعداء الإسلام قائلا (إن من الواجب إبادة خمس المسلمين والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة وتدمير الكعبة ووضع قبر محمد وجثته في متحف اللوفر)(3) فكم من فرق بين من له في دينه أجر عند سقي الشجر وبناء الحجر ومن له في نفسه عزة عند قطع الشجر وتدمير الحجر، وكان “بن غوريون” يوصي جيشه قائلا (لا تتركوا صبيا ولا شيخا ولا امرأة ولا كلبا ولا طيرا ولا شجرا ولا هواء ولا ماء إلا وقد تركتم فيه أثركم).

فلعلنا نوفق إن شاء الله في تصحيح هذا الزعم ورد كيد المفتري إليه.

لقد كان لعلمائنا الزند الطَلِقُ(4) والخطوة الأولى في دراسة علم البيئة بمفهومه العام دراسة تخصصية منهجية، فقد تناوله ابن خلدون في “المقدمة” وابن سينا في “القانون” وابن النفيس في “الموجز” وغيرهم كثير، والعجب من مثقفينا وقد أخذتهم الحضارة الغربية فصقلت عقولهم ينسبون لها كل شيء وكأن الأمة الإسلامية لم تترك لهم تراثا ولا علما ولا فكرا مع أن خزائن المخطوطات في الأوسكريال وواشنطن وتركيا ودمشق وغيرها مليئة بأمهات المخطوطات التي تعتبر شاهدا ودليلا على علم المسلم أثناء جهل غيره.

ذ. امحمد رحماني

———–

1 – الرحيق المختوم

2 –  البيهقي : 18614.

3 – كتاب دمروا الإسلام أبيدوا أهله تأليف محمد جلال العالم تحقيق امحمد رحماني.

4 – قول يطلق على السبق في الفعل.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *