الحـلُّ لــمشاكلِنا هـو هـذَا السـؤال : ماذَا نُرِيدُ أن نَكُون؟! لا ما يُريدُ الآخر مِنّا أن نكُون!!


اللّـهُ عـزّ وجـل رضِـيَ لـنـا الإسْـلام
: لقدْ اختار الله عز وجل لنا الإسلام ديناً، فقال لنا : {اليَوْم أكْمَلْتُ لكُمْ دِينَكُم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نعْمَتِي ورضِيتُ لكُم الإسْلام دِيناً}(المائدة : 4) فهلْ بعْد اختيار اللّه تعالى اختيار؟! وهل بعْد رِضى الله تعالى رضًى؟! وهل بعد نعْمة الإسْلام نعْمة؟! أسْئِلةٌ توجَّه للمتهاونين في تطْبيق الدِّين المخْتار لنا نعمةً ومِنحةً ورحمةً وهُدًى من عند الله عزّ وجل!! كما تُوجَّه -كذلك- إلى المتنكِّرين لنعْمة الله!! وإلى الرافضين -عنْ إصْرارٍ- هُدَى الله ورحمتَه؟! وإلى السّاقطين في مُسْتنْقع التهافُتِ على الأعْتاب البشريّة الضعيفة الجاهلة العاجزة!!
كُلُّ هؤلاء ينبغي أن يُوجَه إليْهِم هذا السؤال : إذا كان لكُمْ عقْلٌ تفكِّرون به هَلْ درسْتُم الإسلام وعرفتموه -عن علم وبيّنة- ثمّ وجدتُمْ الأدْيان المهْترئة، والأهْواءَ البشريّة الهابطة أحْسن منْه وأهْدَى؟! أمْ إنكُمْ كنتم مُجَرَّدَ مُكَابرين؟! وضَالِّين مُضِلِّين؟! وفاسِدين مُفْسِدين؟!
ضَعُوا أمامَكم مرآة الحقيقة العلميّة، والفكريّة، والفطرية، والعقْلية، والتاريخية، والإنسانية، وانْظُروا إلى وجوهِكُم فيها، هَلْ ستَظْهر أمامَكُم بيضَاءَ نقيةً، وضاحِكة مُسْتبشرة؟! أم ستظهَرُ أمامَكُم سوداءَ مُعْتِمةً، وعبُوسَةً كالحةً مُبْتَئِسة؟!
فأنتُم وعقولكُم!! وأنتم وضمائركُم!! وأنْتُم وفطرتكُم!! وأنتُم ومسؤوليتُكم التاريخية أمَامَ الشعوب التي جهّلتمُوها بالإسلام، ورهَنْتُموها للفكْر المادِّي المُلْحِد الواردِ علينا من دِيار الزندقة والضلال؟! وأمام الأمّة التي شتَّتُّم شَمْلها، ومزّقْتُم أوصَالَها؟!
ولم يكْتَفِ الله عز وجل بالامْتِنان علَيْنا -وعلى البشرية لوْ عَقَلتْ- بنعْمة دين الإسلام وهدايته ورحمته، بل وثَّق صحّةً هذا الدِّين وتفرُّده بالصّلاحية اللائقةِ بالإنسان المكَرَّم في عدّة صِيَغٍ وأساليبَ من القرآن العظيم، منها :
أ- {إن الدِّين عِنْد اللّه الإسْلام}(آل عمران : 18) أي غيرُ الإسلام لا يُعتبر دينا عند الله، مهما زَوَّر البشرُ التائه الضال!!

ب- {ومَنْ يبْتغِ غيْر الإسلام دِيناً فلنْ يُقْبَلَ مِنْه وهو في الآخرةِ من الخَاسِرين}(آل عمران : 84) أي لا ينبغي للإنسان أن يغش نفسَه بتوْهيمِها أنها تعبُد الله بغير الإسلام!!

ج- {قُولُوا آمنّا باللّه وما أُنْزِل إليْنا وما أنْزِل إلى إبْراهِيم وإسْماعِيل وإسْحاق ويعقُوبَ والأسْبَاطِ وما أوتِيَ مُوسَى وعِيسَى وما أوتِيَ النّبِيئُون من ربِّهِم لا نُفَرِّق بين أحَدٍ منْهُم ونحْن لهُ مُسْلِمُون}(البقرة : 135) أي أن دينَ الأنبياءِ والمرسلين هو الإسلامُ الموثّق في نُسْختِه الصّحيحة الخاتمة والمحْفُوظة من عند الله تعالى، فلا يكْذبنّ أحدٌ على نبيٍّ أو رسُولٍ بتقْويله ما لَمْ يَقُلْ مما لَيْسَ مُصادقاً عليه من القرآن العظيم المهيْمِن على ما سَبَقَهُ من العقائد والشرائع والأخلاق!!

د- {شرَعَ لكُم مِن الدِّين ما وصَّى به نُوحاً والذِي أوْحيْنا إليْك وما وصّيْنا به إبرَاهِيم ومُوسَى وعِيسَى أن أقِيمُوا الدِّين ولا تتفَرَّقُوا فيه}(الشورى : 11) أيْ الدينُ المشروعُ المُوصَى بإقامته، والكفيلُ بتوحيد المومنين جميعاً من لدُنْ وجُودِ البشرية إلى قيام ساعَتِها هو الدينُ المُوحى به لمحمدٍ رسول الله ، لأنه هو الدين الذي جاء به أُولُو العَزْم من الرسُل عليهم السلام جميعا، فلا يُفَرِّقُ بينهم إلاّ سفيهٌ أو مخْبُولٌ معْتوهٌ مصابٌ بلَوْثة الافتراء على الله تعالى ورُسُله، فلا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلى سَفَهِه وتطاوُله على ربِّ العزة بدون وازِع أو تأنيب ضمير!!

هـ- {وأوْصَى بِها ابْراهِيم بَنِيه ويعْقُوب يا بَنِيَّ إنّ الله اصْطَفَى لكُمْ الدِّين لا تَمُوتُنّ إلاّ وأنْتُم مُسْلِمون}(البقرة : 131) أي أن الوصية الخالدة التي أوصى بها أبو الأنبياء ابراهيم \ بَنيه وأتباعَه هيَ العيْشُ بدين الإسلام، والموتُ على دين الإسلام، لأنه هو الدّين الذي اصْطَفاه الله تعالى لعباده المومنين، فمن مات على غير دين الإسلام مات ميتَةً جاهليّةً نَتِنةً، ولو ادّعَى ما ادّعَى، وزوّر ما زوّر.

و- {أَفَمنْ يَمْشِي مُكِبّا على وجْهِه أهْدَى أمّن يمْشِي سوِيّاً على صِراطِ مُسْتقِيم}(الملك : 22) أي هلْ الإنسانُ المُكَرَّم هو الذي اختار لنفسه أن يمْشي واقفاً رافعاً رأسَهُ إلى السماء، أم الذي اختار لنفسه أن يمْشِيَ على رأسِه بدون عقْلٍ رافعاً رجْلَيْه البكْماوَيْن الصّمّاوَيْن إلى السماء؟! فهو يعيش برأسٍ ترابيٍّ، وعقل تُرابيٍّ، ومعبودٍ ترابيٍّ، إلى أن يُغْرسَ في التراب، ثم يقول : {يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً}(النبأ : 90) وأنّى له أن يكون كالتراب المُسبِّح بحَمْد ربِّه؟!! ولم يكتَف الله تعالى باخْتيار الإسلام لنا وإلْزامنا بالتّعَبُّد به بَلْ اختار لنا أن نكون دعاةً له، لإقامة الحُجَّة على الجاحدين، والشهادة بِه للمُسْتجيبين، ألَسْنا ورثَة الأنبياء بصفةٍ عامة؟! ووَرثة خاتمهم بصفة خاصة؟! وهل هناك أشْرفُ من أن يكو ن المُسْلمون حجّة اللّه للخلْق أو على الخلْق؟! {وكَذَلِك جَعَلْناكُم أمّةً وسَطاً لتكُونُوا شُهداء على النّاسِ ويكُونَ الرّسُول عليْكُم شَهِيداً}(البقرة : 141).

لــوازم السَّـيْـر الجـادّ اتجَـاهَ الهَدَف الـمـخـتـار للـمـسـلمـيـن :

اللوازمُ كثيرة ومتنوعة يمكن إجْمال أهمِّها فيما يلي :

أ- الإيمانُ بما اختارَه الله تعالى لنا ديناً ومصِيراً وحياةً وحضارةً.

ب- العملُ الصادِق سرّاً وعلَناً على ترْجَمة الاختيار الربّاني وتجْسِيمِه في الواقِع الحيَاتِيّ على أحْسَن صُورة، وأجْمل هيْبئة، وأحكم دعوة.

جـ- الشعور بشَرَف الهداية لأقوَم السّبُل المُنْقِذة للإنسان من براثِن الهوى، وجَوامِحِ الشهوات القاتلة.

د- التحدِّي بهذا الدّين كُلَّ جاحِدٍ مُسْتكبر، وضالّ مُضل.

هـ- تحْفيظُ الناشِئة أصولَ هذا الدين، وتلقينُهم مقاصِدَه وحِكَمَهُ وغاياته الكُبْرى والصُّغْرى.

و- السهَرُ الدائمُ على إخْراج دُعاةٍ قادةٍ في الفكْر والعلْم، وقُدوة في السلوك والأخلاق.

ز- تكوينُ أجهزة رَقابيّةٍ ربّانية تقوم بوظيفة الحِسْبة في كُلِّ المجالات، حتى لا يتشوه جمالُ الدين على يد السفهاء والمنافقين والمُغْرين والواهنين.

حـ- التخطيط الدّقيق للمراحل والأولويات حَسَب المستويات العلميّة والحضاريّة، وحسب الظروف الاجتماعية والسياسية، والظروف المحلية والعالمية، والظروف السلميّة والحربية، فلكُل مرحلة أولوياتٌ، ولكل أوْلوية أجْندةٌ وأسْلحةٌ.

ط- العملُ بإخلاصٍ على توحيد المُسْلمين في أمة ربانية واحدة كما أرادها الله تعالى، لأن الوحْدة هي القوةُ الفاعلة في فَرضِ الحضارة الربانية على الشاردين.

ي- إنشاء إعلام بانٍ يُرسِّخ الأهداف، ويوقظ العزائم والتطلعات.

كـ- وأخيراً تأسيسُ حُكْم رشيدٍ يعرف كيف يُفجِّر الطاقات ويرْعى التوازنات.

فـوائـد مـعْـرفـة مــا نُـريـد :

لاعَدّ للفوائد ولا حصْر، ولكنّ هذِه بعضُها :

1) إحْرازُ رِضى الله تعالى بالتديُّن بما اختاره لنا دينا.

2) أدَاءُ الرسالة التي كلّفنا الله تعالى بها لإنقاذ البشرية من الضلال والتّيهان.

3) إحْرازُ الشرفِ الدنيويّ والأخروي، والمحلي والعالميٍّ بالسّيْر في ركاب الرسُل والأنبياء.

4) الصّلاح الأسْري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأمْني.

5) ثِقل الميزان المحلّي والدّولي بثقْل مِيزَان الحسنات الذي لا يعْقُبه إلا الفلاحُ.

أضْـرارُ السّـيْـر فـي ركـابِ الآخَـر :

1- التبعية الذليلة في كُل المجالات العلمية والثقافية والقانونية والمالية والعسكرية..

2- الهَوانُ عِند الله {ومَنْ يُهِن اللّه فمَا لَهُ من مُكْرِم}(الحج : 18).

3- الخروج من دائرة الفعْلِ الحضاري، فلا أثَر يبْقَى لنا ولا ذِكْر لنا في التاريخ.

4- وضْعُنا في خانة السّفهاء الذين لا يعرفون كيف يسْتقِلُّون بأنفسهم، وكيف يستثمِرُون ثرواتهم، وكيف يستخرجون كنوزهم، وكيف يديرون شؤونهم، وكيف ينظِّمون حُكمَهم، وكيف يحمُون أوطانهم، وكيف يجابهون خصومهم، وكيف يجمعون صفوفهم، وكيف يوجِّهون آراءهم واختلافاتِهم، وكيف يتحدون على القواسم المشتركة، وكيف يتعامَلُون مع شعوبهم، وكيف يضحُّون بالمصالح الخاصة لحساب المصالح العامة… إلى غير ذلك من ميادين السفاهة التي تخرجنا من دائرة الاعتبار الأهْلي والقانوني والإنسانيِّ!! وهل يريدُ الآخر منا إلا أن نَكُون سُفَهَاء مُفْلسين في كُلِّ شيء حتى يتسَنّى له الإجْهازَُ علينَا إجهازا كاملاً : ذاتاً، وكياناً، وديناً، وحضارةً، وعلماً، ومجمعاً، وأمّة!!! ليتَسَيَّد ويقول {ما أُرِيكُم إلا مَا أرَى وما أهْدِيكُم إلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ}(غافر : 29).

إنها مرْحَلةُ سيْطَرةِ السُّفَهَاء على مَقَاليد الأمةِ وتقْديمها على طَبَقٍ من ذَهَب للآخر كيْ يقودَها إلى البوَار والدّمار، وهي المرحلَة التي كثيراً ما حذّرنا رسول الله من الوصول إليها، ولكن مَنْ يقْرأ؟! ومن يفْهَمُ؟! ومن يتّعِظُ؟!؟ ومن يُفَكِّر؟! ومن يتدبَّرُ؟! قال لكَعْب بن عُجْرة : >أعاذَكَ اللّهُ من إمارة السُّفَهَاءِ يا كَعْب< قال كعب : وما إمارةُ السفهاء؟! قال : >أمراءُ يكُونُون بعْدِي، لا يهْدُون بهَدْيي، ولا يسْتنُّون بسُنَّتِي، فَمن صدّقَهُم بكَذِبه وأعانهُم على ظُلْمِهِم، فأولئك ليسُوا مِني ولسْتُ منهم، ولا يَرِدُون عليَّ حوْضِي، ومنْ لمْ يصدِّقْهُم بكَذِبهم، ولمْ يُعِنْهُم على ظُلْمِهم، فأُولئِك مِنِّي وأنا مِنْهم، وسَيَرِدُون عليَّ حوْضي<(أحمد والبزار).
فهؤلاء هُمْ الجبّارون الذين قال فيهم >إن في جهنم واديا، وفي الوادي بئر، يقال له : هَبْهَب، حَقٌّ على اللّهِ أن يُسْكِنَهُ كُلّ جَبّار عَنيد<(الطبراني والحاكم) وتجبُّرُهُم علاماتُه الكُبْرى ما قاله >ستَكُون أئمةٌ من بعْدي، يقولون فلا يُرَدُّ عليهمْ قوْلُهم يتَقَاحمُون في النار كما تقَاحَمُ القِرَدة<(أبو يعلى والطبراني) أعاذنا الله عز وجل وأعاذ الأمة من روّاد يقودُون الأمة إلى النار، مستقَرِّ المخزيِّين الأشرار.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *