التعقيبات والمستفادات (2)


7) الأرض المقدسة هي التي قدّسها الله تعالى :
إمّا :
> بإنْزال الوحْيِ على الأنبياء فيها كالوَادي المقدّس طُوَى الذي قال الله عز وجل فيه لموسى \ {إنِّىَ أنَا ربُّك فاخلَعْ نعْلَيْك إنّكَ بالوَادِ المُقَدّس طُوَى وأنَا اخْترْتُك فاسْتَمِع لِما يُوحى إنَّنِي أنَا اللّه لا إِلَه إلاّ أنا فاعْبُدْني وأقِم الصّلاةَ لذِكْرِي}(طه : 11- 13).
> وإمّا بكونِها أماكنَ لعبادة الله تعالى : {لمَسْجِدٌ أُسِسَ على التّقْوَي مِنْ أوّلِ يوْمٍ أحَقٌّ أن تَقُومَ فيه}(التوبة : 109).
> وإما بكَوْن اللّه تعالى اخْتار تِلْك الأماكِن وجعَلَها أماكِن مُباركَةً تُسْتجابُ فِيها دعَواتُ العِبادِ الصالحين، كالبيْت الحرامِ الذي جعَلَه الله عز وجل مبارَكاً وهُدًى للعالمين، وكالمسجِد الأقْصا الذي قال فيه تعالى {الذِي بارَكْنا حوْله}.
وإذا كانت الكعْبةُ المُشرفةُ حازَتْ البركَة والشّرف بالسّبْق في كُلِّ شيْء، فهي أوّلُ بْيتٍ أُسِّسَ للعبادة الحق، وأولُ بيت بناه ابراهيم \، وأول مكانٍ جعلَه الله عز وجل مخصوصاً بعبادةٍ خاصةٍ هي أداءُ عِبادة الحجّ إليه…. فإن أسباب بركَة المسجد الأقصا كثيرةٌ أيضا، منها
: – أن واضِعَهُ ابراهيم \ بعد تأسيس الكعبة.
– أن الكثير من أنبياء الله ورسُلِه صلّوْا فيه كداوود وسليمان ومن بعدهُما من أنبياء بني اسرائيل عليهم السلام.
– ثم بحُلُول عيسى بن مريم \ فيه، وإعْلانِه فيه ومِنْه الدّعوة إلى الله تعالى.
– ثم بكوْن أرضه مدْفنَ بعض الأنبياء والرسل، كداوود وسلميان عليهما السلام، وقبلهما مدفن ابراهيم بقرية “حَبْرُون”.
– وأعظم تلك البركات : حُلُول النبيّ الخاتم فيه ذَلِك الحلُول الخارقَ للعادة، وصلاتُه فيه بالأنبياء كُلِّهِم.
8) إبْراهِيم \ ينْبُوعُ الخيْر والبركة والفضْل :
قال تعالى : {إنّ الله اصْطَفى آدَم ونُوحاً وآل ابْراهِيم وآل عِمْران على العالمين ذُرّيّةً بعْضُها من بعْضٍ واللّه سَمِيعٌ عليمٌ}(آل عمران : 34).
وإذا كان الله عز وجل اصطفى آل ابراهيم من جُمْلة من اصطفى من عباده الأبرار، فإن الله تعالى جعلَ ابراهِيم \ أمّةً، وجعلَهُ إماماً {وإذِ ابْتَلَى ابْراهِيمَ ربُّه بكَلِماتٍ فأتَمَّهُنّ قال : إنِّي جَاعِلُك للنّاسِ إماماً قال : ومِن ذُرِّيَتِي قالَ : لا ينَالُ عهْدِيَ الظّالِمِين}(البقرة : 123). فالظالمون من ذريّة ابراهيم \ هم المحْرُومون من الإمامة، أمّا الصالحُون من ذريته فهُم مشْمُولُون بما شرَّف الله به إبراهيم \ من الإمامة للناس في كُل خيْرٍ إلى يوم القيامة وخُصوصاً محمداً وأمّتَه إلى يوم الدّين مادامت حاملة الرسالة التي ورثتْها من ابراهيم \ {إنّ أوْلَي النّاس بابْراهِيم للّذِين اتّبعُوه وهَذا النّبِيء والذِين آمنُوا واللّه وَلِيّ الـمُومِنين}(آل عمران : 67).
ولفضْل ابراهِيم \ جعلَهُ الله عز وجل مؤسِّسَ المسْجِدَيْن المُقَدّسين في الكرة الأرضية كلها، وهما المسجد الحرامُ، والمسجد الأقْصا، جاء في الصحيحين عن أبي ذَرٍّ ] قال : سألْت رسول الله : أيّ مسْجٍد وُضِع أوَّلُ؟! قال : >المسْجِد الحرام؟، قلتُ : ثم أيّ؟! قال : المسْجِدُ الأقْصَى<، قلت كم كان بينهما؟! قال : >أرْبعُون سنةً<.
قال الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى : >لاشك أن بيْت المقدس من بناء سليمان، حيث أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى {ومِن الجِنّ من يعْمَلُ بيْن يَدَيْه بإذْنِ ربِّه ومن يزِغْ منْهُم عن أمْرِنا نُذِقْه من عَذاب السّعِير يعْملون لَهُ ما يَشَاءُ من محارِيبَ و وتماثِيل وجِفَاءن كالجوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ}(سبإ : 13) فالظاهر أن إبراهيم لما مرّ ببلادِ الشام، ووعَدَه الله أن يورثَ تلك الأرض نسْلَه، عيّنَ الله لَهُ الموْضِع الذي سيكون به أكْبرُ مسجدٍ تبْنيه ذريّته، فأقام هنالك مسجداً صغيراً شكراً لله تعالى، وجعلَهُ على الصّخرة المجعُولةٍ مذْبحاً للقُرْبان، وهي الصخرة التي بنى عليها سليمان المسجد، وهو المكان الذي أوحى الله إلى داود \ أن يبْنِي عليه محْرابه {وهلْ أتَاكَ نَبأُ الخَصْمِ إذ تسَوَّروا المِحْراب}(ص : 20)وقد عزَم داوود \ على تجْديد بناءِ (الهَيْكَل) في مكان مسجد ابراهيم، ولكن العُمر لمْ يُمْهِلهُ فأوصى ابنَه سلميان أن يبْنيَه، وهو المسجد الذي به الصّخْرة التي ربَط بها نبيُّنا محمد البُراقَ الذي أسْرى عليه، وبمعْرفة أن سُليْمان كان مجدداً لمسجد ابراهيم يزُول الإشكالُ، فإبراهيم بنى الكعبةَ في سنة 1900 قبل المسيح، وسليمان بنى بيْت المقدس في سنة 1000 قبل المسيح، فبينهما قُرون، ومعنى هذا أن ابراهيم بنى المسجد كما أخبر رسول الله ، ولكن بما أن أهْل ذلك البلَد كانوا مُشْركين، فإن بناء المسجد اندثر، فهَدى الله داوود وسُليمان من بعده لمكان ذلك المسجد، فجَدَّدَا بناءَه(التحرير والتنوير بتصرف 15/4).
9) الفَاسِقُون من ذُريّة ابراهيم يُعاقبُون بالتّيه :
إن نِعَم الله عز وجل على بني اسرائيل لا تُعد ولا تُحْصَى هذه أشهرُها :
> أن الله عز وجل رزقَهم المَنّ والسّلْوى أربعين سنةً.
> أن اللّه عز وجل فجّر لهم في الصحراء اثنتا عشرة عيْنا.
> أن الله عز وجل ظلّل عليهم الغمام لتقيهم من الشمس المحرقة
. > أن الله عز وجل حرّرهم من الاستعبادِ لفرعون، ففلق لهم البحر وأغْرق عدوّهُم.
> أنّ الله عز وجل جَعَل الأنبياءَ ساسةً لهم يهدونهم للطريق المستقيم.
ومع ذلك كانوا ناكرين للجميل طوال تاريخهم.
فهم بمجرد ما خرجوا سالمين من البحر بعد ما أغرق الله لهم عدُوّهم
: – إذا هُمْ يمُرُّون بعُبّادِ الأصنام فيقولون لموسى \ : {اجْعَلْ لنا إلهاً كما لهُم آلهة
}. – وعندما يغيبُ عنهم موسى \ في مِيقَاتِه مع ربِّه سُرْعان ما يُغْريهم السامري بالعجل الذّهبي فيتخِذونه إِلها من دون الله تعالى.
– وعنما يُطعمهم الله المَنّ والسّلْوى يشْتهُون أطْعمة الذّلِّ التي اعتادُوها أيامَ العبودية بمصر، من الفُوم، والعَدَس، والبصَل والقِثّاء والثوم دليلاً على هُبُوط الهِمّة.
– وعندما أمرَهم الله بذبْح بقرةٍ تلكّأوا وتسكَّعُوا في الطاعة والتّنفيذ، فلمْ يذْبَحُوها إلا شِبْه مُحاصَرين بالحُجَجِ الربّانية {فذَبَحُوها وما كَادُوا يفْعَلُون}.
– وعندما عادَ موسى \ من ميقات ربّه ومعه الألواحُ التي فيها ميثاقُ الله وعَهْدُه أبَوْا أن يُعْطُوا الميثاق وأن يُمْضُوا العَهْد مع ربهم إلا بعْد أن وجَدُوا الجَبَلَ منْتُوقاً فوق رؤوسهم، حتى ظَنُّوا أنه واقِعٌ بهم، فأمْضَوْا العَهْد بعْدَما رأوا هذا الجبل المنْتُوق يكاد يسْقط عليهم {وإذْ نَتَقْنا الجَبَل فوْقَهُم كأنّهُ ظلَّةً وظُنُّوا أنّهُ واقِعٌ بِهِم}(الأعراف : 171).
وها هُو موسى \ على أبواب الأرض المقدسة يُذَكِّرهم بنِعم الله تعالى علهم ينسوْن ما سَلَف مِنْهُم من النكُوص والجُحود فيُقْدمُون على الدّخُول للأرض المُقَدّسة واثقين من نصْر الله تعالى إذا هُم توكّلُوا عليه حقّ التوكُّل، ولكنهُم ارتدُّوا على أدبارهم وتوقّحُوا فقالوا : {قالُوا يا مُوسى إنّا لنْ ندْخُلَها أبداً ما داَمُوا فيها فاذْهَبْ أنْت وربُّك فقَاتِلا إنّا هَاهُنا قَاعِدُون}(المائدة : 24).
فلمْ يسَعْ مُوسى \ إلا أن يطلب من ربه أن يفْصِل بيْنَه وبين القوم الفاسقين، حيث قال تعالى {قَالَ فإنّها مُحَرّمةٌ عَليْهِم أرْبَعِين سَنةً يتِيهُون في الارْض فلا تَاسَ على القوْم الفاسِقِين}(المائدة : 25).
ولقد وعى المسلمون هذا الدرس فقالوا لرسول الله في بدر : لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لنبيهم {اذْهَبْ أنْتَ وربُّك فقَاتِلا إنّا هَاهُنا قاعِدون} ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فكتب للمسلمين النصر أما بنو اسرائيل فكتب لهم التيه.
10) عُمر ] يتسلّم مفتاحَ مدينة >ايلْياء< من يد النّصارى :
لقد منّ الله عز وجل على بني اسرائيل إذْ استردّ لهُم سيادَتهم في عصْر النبيّيْن الكريمين داوود وسليمان عليهما السلام.
لكن هذا المسجد خرّبَهُ البابليون مرارا وتكراراً قبل الميلاد بنحو خمسة قرون، ثم خرّبه الرومان مراراً وتكراراً بعد الميلاد، ثم لمّا تنصّرت أمّ الامبراطور قُسْطنطين أبْغَضت اليهود لما تعْتقده من قتْلِهم المسيح، وعندما زارتْ أورشليم أمَرْت بتعْفية ومحْو أطلالِ هيْكل سليمان، وجعْل مكانِ المسْجِد الأقصى مزْبَلةً حتى صار موضِعُ الصّخْرة مُغَطَّى بالأزبال.
ولما فتح المسلمون بلاد الشّام زمَن عمر بن الخطاب جاء الخليفة ليشْهَد فتْح مدينة إيلياء المسماة >أورشليم< سابقاً.

وعندما انعقد الصلحُ بين عمر والنصارى من أهالي المدينة قال عمر لبطريق لهم : د>ُلّني على مسجد داود< فانطلق به إلى مكان الباب وقد غُطي بالأزبال، فتجَشم عُمر حتى دخل ونظر، فقال : >الله أكْبرُ هذا والذي نفسي بيده مسْجِدُ داود الذي أخبرنا عنه رسول الله أنه أُسْرِي به إِليْه<.
ثم أخذ عمر والمسلمون يكنسون الأزبال عن الصخرة حتى ظهَرت كُلُّها، ومضى عمر إلى جهة محراب داود فصلى فيه ثم ارتحل عن القدس إلى فلسطين.
وفي عهد عبد الملك بن مروان أمر ببناء القبّة على الصخرة وعمارة المسجد الأقصى. والذي ينبغي تذكّره في هذا المقام أن عمر كان أول مَن صلَّى في المسجد الأقصى من المسلمين، وجعل لهُ حُرْمة المسجد، ولمْ يأتِ عمرُ من تلقاء نفسه، ولا بطلب من المسلمين ولكنه جاء بطلب مُلحٍ من البطريق النصراني >صَفْرُون< الذي اشترط ألا يسلم المفاتيح إلا لخليفة المسلمين نفسه، ليضمن شروط الصلح المُبرَمة بين المسلمين وأهل ايلياء -أورشليم- وقد حَفِظَت كُتب التاريخ نصّ كتاب الصلح الذي جاء فيه :
>هذَا ما أعْطَى عبدُ الله عمرُ أمير المومين من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وصُلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها… أنه لا تُسْكن كنائسُهم، ولا تهدّم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارّ أحدٌ منهم، ولا يسكُن أحدٌ بإيلياء معهم أحَدٌ من اليَهُود<(انظر تاريخ الاسلام السياسي ل: ـد. حسن ابراهيم حسن 231/1 والخلافة الراشدة لعبد المنعم الهاشمي ص 194).
هذه الوثيقة تعطى الشرعية التاريخية للمسلمين في السيادة على المسجد الأقصى وحْدهم برضا النصارى كما تحْرِم اليهودَ من أي سيادة على أورشليم.

أ.ذ. المفضل الفلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *