البيئة : طهارتها نعمة وتلوثها نقمة


 تـعـريــف  الـبـىـئـة

إن بيئة الإنسان هي الأرض التي استخلفه الله فيها، ويسر له العيش عليها إلى حين، قــــال تعالى : {ولكم في الارض مستقر ومتاع  إلـــى حين}(البقرة : 35). وقد جعل الله الأرض مقرا لحياة الإنسان الدنيوية، وداراً لأعماله التي تجعله من هذا الفريق أو ذاك. قـــــ4ال سبحانه : {فريق في الجنة وفـــريق في السعير}(الشورى : 5).

ويظهر أن بيئة الإنسان على نوعين :

– بيئة طبيعية، وهي الأرض وما فيها من جمال خلقه الله للإنسان، نعمة وتكريما له قال تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}(الإسراء : 70)، ولا ننسى الجمال الذي خلقه الله في سماء الدنيا، من شمس وقمر ونجوم، وتعاقب الليل والنهار والفصول الأربعة، قال تعالى : {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد}(الصافات : 6- 7).

– وبيئة محدثة، وهي التي أوجدها الإنسان بعون من الله تعالى، كالمدن والقرى والجسور والأنفاق والطرقات وغيرها من المشاريع التي بناها لنفسه.

أهـم عـناصـر الـبـيـئـة

أهم عناصر بيئة الإنسان هي : الماء والهواء والشمس والأرض التي يقتات منها، وحيث إن هذه العناصر ضرورية لحياته، فقد جعلها الله مسخرة له، فهو يجوب البحار ويستغل مياه الأنهار والعيون لسقي الأشجار والمزروعات… فضلا عن كونه متعة وجمالا يروقه منظره، وهو مشروب طبيعي به يحيى الإنسان وغيره من الكائنات الحية قال تعالى : {وجعلنا من الماء كل شيء حي}(الأنبياء : 30). وقال : {وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}(النحل : 10- 11). أما الهواء (الأكسجين) وهو عنصر ضروري للحياة، فقد جعله الله متوفرا لساكنة الأرض والحمد لله، وأخبرنا في كتابه العزيز بقلته أو انعدامه متى ابتعدنا عن الأرض أو خرجنا عن غلافها الجوي فقال : {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء}(الأنعام : 126). وبالنسبة للشمس التي جعلها الله نجما مضيئا يلتهب حرارة، تدور حوله الأرض، ومن لطف الله وحكمته أن جعل حرارة هذا النجم، تتلاءم في بعدها وقوتها مع مخلوقات الأرض، فلا هي حارة جدا تحرق الأخضر واليابس، ولا هي دون ما هو ضروري من الأشعة والدفء الذي تحتاج إليه المزروعات والأشجار في نموها، بل تناسب حرارتها مع طبيعة كل كائن حي على هذه الأرض. أما الأرض التي نعيش عليها، فقد زينها الله لعباده بالجبال والسهول والصحاري والبحار، تكريما منه سبحانه لهم. وجعلها مقر حياتهم، فيها قوتهم، وفيها يدفنون بعد موتهم، ومنها يبعثون عند قيام الساعة، وقــد نهى الله عن الفساد في الأرض فقال : {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} (العنكبوت : 36)، وقال {ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها}(الأعراف : 55، 84). إ ن الأرض التي زينها الله بما هو رائع وجميل، وجعلها مسخرة للإنسان، يتنقل عليها حيث يشاء ومتى شاء، أمانة في عنق سكانها، يجب المحافظة على جماليتها، لكن الإنسان قد ينزلق فيعثو فيها فساداً من حيث يشعر أو لا يشعر، ويدعي أنه ليس مسؤولا عما ارتكبه لا من قريب ولا من بعيد.

مـن الـمسؤول  عن  تلوث  البيئة؟

إذا كنا نعلم أن التلوث البيئي أصبح ظاهرة عالمية، ونعلم كذلك أن هذا التلوث راجع  إلى سببين :

– طبيعي مرده إلى الخالق العظيم الذي يفعل في ملكه ما يشاء، كالفيضانات والزلازل والبراكين والجفاف… مما يسميه البعض بغَضب الطبيعة أو فعل الطبيعة، والحقيقة أنه غضب من الله، وعقاب منه سبحانه سلّطه على العصاة نتيجة أفعالهم المخالفة لشرع الله عز وجل.

– وغير طبيعي وهو ما يقوم به الإنسان من خراب ودمار لبيئة الأرض وطبيعتها الجميلة، كقطع الأشجار وحرقها، وتلويث المياه بالأزبال والزيوت والنفايات، وتعكير الجو بالغازات والمقذوفات السامة… فيجب أن نعلم أولا وأخيرا مَن هم المسؤولون الحقيقيون عن تلوث البيئة في العالم برا وبحراً وجوا، فإذا كنا صريحين مع أنفسنا أولا ومع غيرنا ثانيا، فيجب أن نقول : إن الذين يلوثون البيئة حقيقة في أرجاء المعمور هم أولئك الذين يتقنون فن التمثيل في الخداع والمكر والتحايل على عقول الشعوب، فكثيرا ما يدعون أنهم يسعون  إلى إنقاذ الإنسان والبشرية من الفقر والجهل والتخلف، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما ينخدع به ضعاف العقول، ولكن الحقائق والوقائع على الأرض تُظهر عكس ذلك، حينما نراهم يعيثون في الأرض وبين الناس فساداً، فانظروا إلى الحروب التي أوقدوها، والشعوب التي قهروها وشردوا أهلها، والأرواح البريئة التي أزهقوها والمدن والقرى التي دمروها، وانظروا إلى الخراب الذي ألحقوه بالبنيات التحتية، من ماء ومباني وطرقات وقناطر.. وإلى ما نهبوه  وسرقوه من آثار نفيسة من العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها من البلدان التي وقع الاعتداء عليها. إن هؤلاء هم المخربون والملوثون الحقيقيون للبيئة في العالم كله أكثر من غيرهم.

حـمـايـة  الـبـيـئـة  بـيـن دول  الـشـمـال  ودول  الجــنـوب

إن حماية البيئة من التلوث الطبيعي أو الإنساني، يتطلب الإقرار والتسليم بالمساواة في الحقوق بين الدول والشعوب، والتعاون المادي والمعنوي فيما بينها بعيدا عن الخلافات السياسية والأطماع التي يرجى تحقيقها في هذا البلد أو ذاك مقابل مواقف سياسية معينة تأييدا أو معارضة فكثيرا ما تُعقد المؤتمرات في بلد ما، ظاهرها حماية حقوق الإنسان في العيش الكريم، وباطنها لا حقوق للضعفاء إذا تعارضت مع مصالح الأقوياء، والدليل على ذلك أننا كثيرا ما نقرأ أو نسمع على أن دولة… ألقت بنفاياتها السامة في أرض أو شاطئ دولة أخرى خفية أو علانية، فأين هي إذن حقوق الإنسان والشعوب في النظام أو القانون الدولي؟ ألا يعتبر السكوت عن هذا العمل الشنيع وغيره كثير من قِبل المحافل الدولية بما فيها مجلس الأمن، مؤامرة مكشوفة تُحاك من الأقوياء على الضعفاء؟ ألم يكن التهريج والدعايات المروج لها من أبواقهم بمناسبة اليوم العالمي للبيئة سوى عبارة عن مسرحية تثير الضحك والاستهزاء بالآخرين؟ وأخيرا أيرجى من هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم، ليتعاونوا مع غيرهم من الضعفاء على ما فيه صلاح للبيئة والشعوب؟ الجواب بلا هنا هو الراجح، بناء على القول المشهور : ما ضاع حق وراءه طالب، فما دمنا نحن لن نطالب بحقوقنا، فلن نحصل على المساواة مع غيرنا أبدا، بل الأكثر من هذا، للأسف الشديد أننا لن نتوقع من أحد منا كيفما كان مستواه أن يجرؤ ويقول لمن يلوثون البيئة العالمية حقيقة : إنكم أنتم الملوثون للبيئة، وأنتم الذين تختزنون السلاح الكيماوي المدمر، وأنتم الذين توقدون الحروب هنا وهناك، وأنتم… وأنتم… ويا للغرابة أننا نرى بعض كتابنا وخطبائنا يلقون اللوم والانتقاد على من يرمي قشرة الفاكهة على قارعة الطريق، أو يخرج سطل الأزبال من منزله ليضعه على الرصيف، قبل أو بعد مرور شاحنة رجال النظافة. فما دمنا على هذه الحال نقلب الحقائق ونخاف ممن لا يخاف الله، فلم ولن نكون في مستوى الإنسان الحر الذي يدافع عن دينه وشرفه وبيئته ووطنه، وفي الحديث الذي رواه مسلم أن رسول الله  قال : >المومن القوي خير وأحب إلى الله من المومن الضعيف، وفي كل خير..<.

إن ما يسمى بالدول العظمى ولا عظيم في الكون إلا الله عز وجل، تريد أن تبقى مهيمنة على ثروات الأرض والبحار، وتحتكر العلم والعلماء لنفسها فقط، ولا تسمح لغيرها أن يشم رائحته، ومتى ظهر في البلدان النامية نابغة أو مبتكر تحاول جرّه عندها بكل الوسائل، وإن أبى كان مصيره الخطف أو الاغتيال. فهي بهذا التصرف لا تسمح لغيرها بالتقدم لسد حاجتها من الصناعة الحديثة، وبالأحرى أن تقبل بها كشريك فاعل في السوق الدولية للتجارة العالمية، إن هذا التصرف اللاإنساني واللاقانوني من شأنه أن يجعل التعاون بين كل دول العالم بعيد المنال، لأن تكريس العنصرية لازال قائما، ومعاملة الكيل بمكيالين هو الذي يومن به الطغاة (أمريكا والغرب وإسرائيل) وكأنهم يقولون للجميع دون أي تحفظ : القوي يجب أن يبقى قويا والضعيف يجب أن يبقى ضعيفا، وأن الصناعة النووية ولو كانت لأغراض سلمية، ليست من حق العرب والمسلمين أن ينتجوها ولو على المدى البعيد. يالها من غرابة في هذا العالم!! ويا له من ظلم مقيت مسلط على من قال الله فيهم : {كنتم خير أمة أخرجت للناس…}(آل عمران : 110) لكن هيهات هيهات أن يدوم هذا السلوك طويلا! فبعون الله وقوته، سوف تتحرر الأمم والشعوب من الهيمنة والتبعية العمياء، وتوقف هذا الطغيان عند حده وتقوى على الدفاع عن نفسها بنفسها، في الرأي والكرامة والوطن، وتعمل على حماية بيئتها من التلوث والدمار لأن إرادة الشعوب لا تقهر، مادامت تومن بأن القوة والعظمة لله الواحد القهار القادر على كل شيء، فكم من متجبر نال عقابه في الدنيا، وكم من طاغ مات موتة الكلاب، وكم… وكم…

ذ. محمد الصباغ

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *