الانكسارات الدرامية والمشروع الإسلامي


لقد كان الشيوعيون يوماً يدّعون أنهم “أوسع الجماهير” ثم ما لبثت قوانين الحركة التاريخية التي حاولوا امتطاءها أن انقلبت عليهم بسبب خطأ موقفهم من الحياة والإنسان والوجود والتاريخ، وبدأت عملية التآكل تعمل عملها، فتضيّق الخناق عليهم لكي ما تلبث الساحة أن تنفتح على مصراعيها للجماهير الأكثر صدقاً مع ذاتها ومع قوانين التاريخ

وسننه.. إنها جماهير الإيمان والالتزام الأصيل بمطالب هذا الدين، والاستجابة الواعية لخبرة موغلة في الزمن، ووعد يضع الإنسان قبالة مستقبل أكثر توافقاً وانسجاماً مع مطالبه.

واليقظة الدينية، أوالإسلامية بعبارة أدقّ، لم تبرز عبر السنوات الأخيرة على حين غفلة، إنما هي وليدة كفاح متطاول يمتد لعشرات العقود، كما أنها وليدة حاجة ملّحة وقناعة موغلة حتى النخاع بقدرة هذا الدين على إعادة صياغة الحياة بما يجعلها أكثر انسجاماً وتوافقاً مع مطالب الإنسان. وإذا حدث وأن ظهرت بعض الشقوق أوالبثور على جلد الظاهرة فهذا لا يعني سلبيّتها بحال من الأحوال، لأن الاستثناء كما هومعروف يعزّز القاعدة ولا ينفيها، والقاعدة هي إيجابية اليقظة المعاصرة وتسلّحها برصيد الخبرة، وبعمق معرفي يزداد حضوراً يوماً بعد يوم.

ويكفي أن ننظر إلى الخارطة الراهنة لعالم الإسلام لكي يتأكد لنا كيف أن الظاهرة أخذت تشق طريقها بقوة متزايدة في حسابات النوع والكم، وتدخل طرفاً فاعلاً في صياغة المصير.

ويجب التذكير بأن اليقظة الدينية لا تنطوي على مجرد برنامج عمل روحي أوتعبّدي أوشعائري، كما هوالحال بالنسبة للعديد من الأديان والمذاهب الأخرى، وإنما هي تنسج وتبشّر بالمشروع الحضاري البديل بعد إذ أثبتت كل المحاولات والمشاريع الأخرى عجزها وفشلها.

وأريد أن أقف لحظات عند بعض حيثيات هذا المشروع لكونه يرتبط ارتباطاً

وثيقاً بظاهرة اليقظة الدينية الإسلامية في السنوات الأخيرة، ويمثل أحد ركائزها ومبشّراتها الأساسية، ويمنحها القدرة على الفاعلية والأداء.

إن هذا المشروع يستهدف مستوى حضاريا على وجه التحديد، فهو-من ثم- ليس مجرد محاولة روحية أوتعبدية أوسلوكية أوتربوية أوفكرية أوثقافية أودعوية أوحركية أوسياسية صرفة، وإنما هو هذا كله.. قد تغذّي حلقات كهذه بنية المشروع وتزيده قدرة على التحقّق هنا وهناك، ولكنها إذا عملت بمعزل عن بعضها البعض فإنها قد لا تأتي بشيء (كما حدث بالنسبة للعديد من التجارب عبر القرن ونصف القرن الأخير).

إن المخاطب هنا هو”الأمة” الإسلامية، والمشروع يعني إعادة صياغة أمة بكاملها.. تعديل وقفتها الجانحة وبث روح الإبداع والحركة في مواتها لكي تمضي على الطريق الصحيح : “الصراط” الذي أراده لها كتاب الله وسنة رسوله  وممارسات الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان..

المخاطب هوالأمة التي يراد لها التحقّق بمقاصد الشريعة وتحويل حياتها إلى تعبير أكثر مقاربة لما يريده الله ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام. وهي بالضرورة مهمة شمولية تنطوي على بعد حضاري. بل إن المشروع الإسلامي منذ لحظات تأسيسه الأولى زمن

رسول الله  كان مشروعاً حضارياً يستهدف الخروج بالناس من الظلمات إلى النور، وابتعاثهم من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويضع بين أيديهم، بمبادىء كالاستخلاف والتسخير والاستعمار، وتحفيز آليات العمل العقلية والحسّية والروحية، مفاتيح الإبداع والقوة والفاعلية الحضارية في نهاية الأمر.

على ذلك فإن المشروع الحضاري يتوجه صوب فضاء واسع هوفضاء الأمة الإسلامية على امتدادها في الزمن والمكان، ويضع نصب عينيه أنه ليس مجرد سعي مرحلي أوحركة متموضعة في بيئة محدّدة أولحظة زمنية، وإنما هونشاط موصول لتحقيق هدف قد يستغرق أجيالاً بكاملها، لاسيما إذا تذكرنا أن إصلاح حالة خاطئة شديدة التعقيد أشدّ استعصاءً بكثير من التأسيس ابتداء.

إننا هنا إزاء ركام القرون الطوال، وفي الوقت نفسه إزاء الفراغ المفاجيء والانكسارات الدرامية التي شهدتها عبر نصف القرن الأخير جلّ المذاهب والمحاولات الوضعية أوالدينية المحرفة في الساحة الإسلامية والعالم على السواء. ولن يكون بمقدورنا أن نقنع الآخر بمصداقيتنا الحضارية، بله أن نفلت من جاذبيته القاهرة، ما لم نصنع لأنفسنا النسق الحضاري الذي يستمد مقوّماته من الأسس الإسلامية ويستجيب لمطالب اللحظة التاريخية.

أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *