الاكرامات الربانية للرسول الصابر المحتسب – التعقيبات والمستفادات(3/3)


11)  الشرعيةُ الربّانية لحقِّ المسلمين في الإشراف على المسجِد الأقْصا قبْل الشرعيّة التاريخية :

جاء في الكثير من روايات الإسراء أن الرسول  جُمِعَ له الأنبياء كلهم فصلى بهم إماماً، إلا أن بعض الروايات تذكر أن ذلك كان قبل العروج إلى السماوات العلى.

لكن ابن كثير قال : >والصحيحُ أنه -الرسول – إنما اجتمعَ في السماوات، ثم نزَلَ إلى بَيْتِ المقْدِس ثانياً وهُمْ معَهُ وصلَّى بهِم فيه، ثم إنّه ركِبَ البُراق وكرّ راجعاً إلى مكة<(تفسير ابن كثير 24/3) معنى هذا أنهم نزلوا معه ليودِّعُوه ويُسَلِّموا له بالإمامة الربّانية للدين الذي بُعثوا به جميعا، وكان محمد  الخاتِم الذي خَتَم رسالاتِ الله تعالى جميعا، والخاتَمَ الذي يطبَعُ على صحّة دين الله المجموع في رسالة النبي الخاتم، يشهَدُ على ذلك الله عز وجل وملائكتُه وأولوا العلم وجميع الأنبياء والمرسلين.

وبما أن أمة محمد  قد ورِثَتْ رسالته ودعوتَه فإنها ورِثَتْ مع الرسالة -شرعاً- حق الوصاية والإشراف على كُلّ أماكِن العبادة الصحيحة التي ذكرها الله تعالى وأخبرنا بمزاياها وأنها من تأسيس الأنبياء والمرسلين بأمْر ربهم.

ويضافُ إلى هذه الشرعية الربانية الشرعية التاريخية التي رأيناها في تسَلُّم عُمر مفاتيح الأقصَا عن رضًى وطواعية من البطارقة الذين كانوا مُشْرفين غلبة -وبدون حق- على المسجد الأقصا. وبذلك التسليم للمفاتيح استقرت الأمور في نصابها، ورجعت إلى أصلها.

12)  الله عز وجل يحْمِي أماكن عبادته المقدسة من كيد الكائدين :

قال المفسر الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى عند الكلام على سورة الفيل : >تُوحي دلاَلةُ الحادث -حادث الفيل- بأن الله لم يُقدِّر لأهل الكتاب -أبرهة وجنوده- أن يحطِّموا البيتَ الحرام، أو يُسيطروا على الأرض المقدسة، حتى والشركُ يُدَنِّسُه، والمشركون هم سَدنتُه، ليبقى هذا البيْتُ عتيقاً من سُلْطان المتسلطين، مصُوناً من كيد الكائدين، وليحْفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبُت فيها العقيدة الجديدة حُرَّةً طليقة، لا يُهيمن عليها سلطان، ولا يُهَيْمن على هذا الدّىن الذي جاء ليُهَيْمِن على الأديان وعلى العباد، ويقُودَ البشرية ولا يُقَادَ…

ونحن نستَْبْشر بإيحاء هذه الدّلالة اليوم ونطمئن، إزاء ما نعْلَمُه من أطماعٍ فاجرة ماكرة ترِفّ حوْل الأماكن المقدسة من الصليبيّة العالمية، والصهيونية العالمية، فالله الذي حمَى بيْتَه من أهْل الكتاب وسدنتُه مشركون، سيحْفظُه إن شاء الله، ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكْر الماكرين<(الظلال 3980/6 بتصرف).

السيّد الشهيدُ قال هذا قبل نكْبة 1967 أما بعْد النكْبة فقد ظهرت الأطماعُ سَافِرة في السيطرة على الأماكن المقدسة بعْد الاستيلاء على القدس لأن الرّبْط بين المسجد الأقصا والمسجد الحرام رباط عقَديٌّ إيمانيٌّ، التفريط في واحدٍ منهما يُعتبر تفريطا في الآخر، وعَى المسلمون ذلك أم لم يَعُوا.

>وهذا الربط يُشعِر بأن التهديد للمسجد الأقصا هو تهديد للمسجد الحرام وأهله، فالمسجد الأقصا بوابة الطريق إلى المسجد الحرام… والتاريخ قديما وحديثاً يؤكِّدُ هذا، فإن تاريخ الحروب الصليبية يُخْبرُنا أن أرْناط الصليبي -صاحب مملكة الكرك- أرسل بعثة للحجاز للاعتداء على قبر الرسول  وعلى جُثْمانه في المسجد النبوي، وحاوَل البرتغاليون تنفيذ ما عجَزعنه أسلافهم الصليبيُّون.

وبعد حرب 1967 صرّح زعماء اليهود بأن الهدف بعد ذلك احْتِلالُ الحجاز، وفي مقدمة ذلك : المدينةُ وخَيْبَر لقد وقف بن غريون -زعيم اليهود- بعد دخول الجيش للقدس، فقال : >لقد اسْتوْليْنا على القُدْس ونحْنُ في طريقنا إلى يثرب<(السيرة النبوية لأبي فراس 314/).

وغُولدا مايير -رئيسة وزراء اسرائيل- قالت في خليج إيلات العقبة >إِنّنِي أشُمّ رائحةَ أجْدادِي في المدينة والحِجاز، وهِي بلادُنا التي سنسْترْجِعُها<(جريدة الدستور الأردنية عدد 4613).

وبعد ذلك كله نشر اليهود خريطة لدولتهم قدموها لأوروبا، تسمل هذه الخريطة : الجزيرة العربية، والأردن، وسوريا، والعراق، ومصر، واليمن، والكويت، والخليج العربي كله. (أنظر السيرة النبوية د : الصلابي 379/1- 3780).

فهل يعمل المسلمون على إفساد هذا المخطط كما أفسده المجاهدون الذين دحَرُوا الصليبيّين؟!

13)  الأرضُ المقدّسة مُحرّمةٌ على الجُبناء الأذلاَّء :

إن موسى \ قال لقومه الذين رأَوْا من نِعَم الله عليهم الشيء الكثير {يَا قَوْم ادْخُلُوا الارْضَ المُقَدَّسة التِي كتب الله لكُمْ ولا ترْتَدُّوا على أدْبارِكُم فتَنْقَلِبُوا خَاسِريِن قالُوا : يا مُوسَى إنّ فيها قوْماً جبّارين وإنّا لن نَدْخُلَها حتّى يخْرُجُوا منها فإنْ يخْرُجُوا منْها فإنّا دَاخِلُون}(المائدة : 21- 22).

ونتيجةُ الجُبْن والقعود عن الجهاد كان هو حِرمانهم من الأرض المقدسة وعقابهم بالتّيْه في ضلال الجَهْل والأفكار والعيش في الصحاري المحرقة، لأنهم توقَّحوا على الله عز وجل وعلى رسوله  فقالوا : {اذْهَبْ أنْت وربُّك فقَاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُون}.

وإذا كان بيت المقدس وقع في يد الصّليبيين، على مدى ما يقرب من نصف القرن، فإن تحريره كان عن طريق الجهاد، وبالجهاد وحْده تحرّر.

فهل تتخلف هذه السنة الربانية ويتحرّرُ المسجد الأقصا بانتظار أن يتفضّل المحتلون طواعية وأريحية وتكرُّما فيتنازَلُوا عنه ويُسَلموه لأهْله لسواد عيُونهم؟!. فمتى كان المحتل -تاريخياً- يخرج من الأرض المحتلة بإرادته واختياره؟! ومتى كان المنتصر -تاريخيا- يتخلى عن انتصاره ولو كان ظالما مثل الظّلمة المحتلين لبيت المقدس؟! إن الذين يبيعون الأوهام، والذين يشترون الأوهام؟! هم في النوم غارقون!! وفي الحُلْم يسخرون!! وفي الخيانة لله والرسول يرتعون!!

إن الأمة المسلمة منذ أوائل القرن العشرين وهي تعيش عصر الهزائم والانتكاسات، وعصر الخِذْلان والاستسلام، ولذلك تفشّى فيها الاستبداد والقهْرُ والطّغْيانُ والتيهانُ اليَميني واليساريّ، وغرَسَ الذُّلُ فيها أنيابَه الحادّة حتى تركها فريسة منتهَبة، للأعْداء الألِدّاء الذين لا يعرفون للشرف والكرامة مذاقا.

وإذا كان لا حياة لمن تنادي من الراتعين في قِمة المسؤولية، وقمة البذخ والرفاهية، وقمة العَمالة والمتاجرة بتاريخ الأمة ومصيرها، فإن الأمل معقود على الشعوب التي بدأت تصحو صحْوةً راشدة أساسُها اليأس من الوعود الكاذبة، ونفْضُ اليَد من أكاذيب الكبار على موائد الحفلات الدولية المخدرة، والعزمُ على تخليص الأراضي المقدسة بالعمل الجديِّ المتمثل في أمْرِ الله عز وجل الصادِر للمومنين بأمره وسنته {ادْخُلُوا الارْضَ المُقَدّسة} {ادْخُلُوا علَيْهم الباب} أي اعتمدوا خطة الهجُوم على العتاة الظالمين لاستخلاص حقوقكم، فالحقوق تؤخد ولا تُمْنَح.

14)  الآيـات الـمـادية لـيـست طـريـقـا للـهـداية :

إنّ من سنة الله تعالى مع رُسُلِه أن يُطْلِعهم على المظاهِر الكبرى لقُدْرته الباهرة، فقد قال عن سيدنا ابراهيم \ {وكَذَلِك نُرِي ابراهِيم ملكُوت السّماوات والارضِ وليَكُون من المُوقِنِين}(الأنعام : 75) وقال لسيدنا موسى \ {ألْقِها -العصَا – يا مُوسَى فألْقاهاً فإِذَا هِيّ حيّة تسْعَى، قال : خُذْها ولا تَخَفْ سنُعِيدُها سِيرتَها الأولَى واضْمُمْ يَدَك إلى جَنَاحِك تخْرُجْ بَيْضَاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيةً أخْرَى لنُرِيَك من آيَاتِنَا الكُبْرى}(طه : 23) بعد مشاهدة هذه الآيات الكبرى قال له {اذْهَبْ إلى فِرْعَوْن إنّهُ طَغَى}(طه : 24).

أما بالنسبة لسيدنا محمد  فإنه لم يره هذه الآياتإلا بعد الإسراء والمعراج {سُبْحان الذِي أسْرَى بعبْدِه ليْلاً من المَسْجِد الحَرامِ إلى المَسْجِد الأقْصا الذِي بارَكْنا حوْلَهُ لنُرِيَهُ من آياتِنا}(الإسراء : 1)، وقال في المعراج : {مازَاغَ البَصَرُ وما طَغَى لَقدْ رَأى من آياتِ ربّهِ الكُبْرَى}(النجم : 18).

ولكن الآيات التي أرها الله محمداً  في الإسراء والمعراج كانت بعد البعثة بنحو اثنتي عشرة سنة، والسر -كما يقول محمد الغزالي رحمه الله- >أن الخوارق في سِيَر المرسلين قُصد بها قَهْر الأمَم على الإقناع بصِدْق النبوة، فهي تدْعِيمٌ لجانبهم أمام اتّهامِ الخُصُوم لهم بالادّعاء، وسيرة محمد فوْق هذا المستوى، فقد تكفَّل القرآن الكريم بإقناع أولي النُّهى من أول يوم، وجاءت الخوارق في طريق الرسول ضرْباً من التكريم لشخصه، والإيناس له، غيْر مُعَكِّرة ولا معَطِّلة للمنهج العقلي الذي اشْترعه القرآن<(فقه السيرة 143- 144).

ثم إن المعجزات ليست طريقةً طبيعية للإيمان ولهذا قال تعالى : {وما منَعَنا أن نُرْسِل بالآياتِ إلا أن كَذَّبَ بِها الأوَّلُون}(الإسراء : 59).

وهذه قريش اختبرتْ محمداً  في الإسراء فوجدتْه صادقاً في كُلّ ما أخبر به، ومع ذلك لم تومِن به.

وهذا أبو سفيان يُحْضِره هِرَقل الروم ليسأله عن هذا النبي الذي جاءتْه دعْوته -كما جاء في البخاري ومسلم- وجعَل أبو سفيان يجْهَدُ أن يحْقِر أمْره، ويُصَغِّره عنده، قال أبو سفيان، والله ما منَعَنِي أن أكذب إلا أني أكْرَهُ أن أكذبَ عنده كذبةً يأخذُها عليَّ، ولا يُصدّقني في شيء، حتى ذَكرْتُ قولَهُ ليْلة أُسْري به، فقلت : أيها الملك ألا أُخْبرك خَبراً تعرف أنه قد كَذَب؟! قال : وما هو؟! قال : إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكُم هذا -مسجد إيلياء- ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح.

وكان بطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال : قد عَلِمتُ تلك الليلة، فنظر إليه قيصر، وقال : وما علمك بهذا؟! قال : إني كنتُ لا أنام حتى أغلقَ أبواب المسجد، فلما كان تلك الليلة أغلقتُ الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنتُ بعُمالي والنجاجرة ومع ذلك غلبنا، فقالوا إن هذا الباب سقط عليه النجافُ والبُنْيان ولا نستطيعُ أن نحركَه حتى نصبح فننظر من أين أتى، قال : فرجعت وتركتُ البابين مفتوحَيْن، فلما أصبحتُ غدوت عليهما، فإذا الحجرُ الذي في زاوية المسجد مثْقُوبٌ، وإذا فيه أثر مرْبط الدّابة، فقلت لأصحابي : >ما حُبِسَ هذا البابُ الليلة إلا على نبيٍّ، وقد صلّى في مسْجِدِنا<(دلائل النبوة لابن نعيم، انظر تفسير ابن كثير 33/3).

فهل آمن أبو سفيان بعد هذا التصديق؟!

إنه لم يؤمن إلا بعد ذلك، وبدون معجزة قاهرة؟!

وهل آمن القيصر أو البطريق؟!

15) هل يستطيع الإنسان بعلمه الحديث الصعود للسماوات العلى؟!

عندما نزل الإنسان على سطح القمر، طُرح في ندوة علمية هذا السؤال : هل يستطيع الإنسان الوصول إلى المجرات الأخرى، فكان الجواب استحالة ذلك :

> لاستحالة تصنيع إنسان يستطيع جسمه تحمُّل السرعات الهائلة فوق سرعة الصواريخ.

> لاستحالة أن ينطلق الإنسان في صاروخ سرعته سرعة الضوء.

> لاستحالة أن يعيش الإنسان عمراً يساوي 200000 سنة ضوئية المدة الكافية للذهاب إلى أقرب مجرّة والرجوع منها.

وهذا العالَم كلُّه عالمُ الكواكب هو دون السماء الدنيا، فأين منها السماء السابعة وما فوقها؟! وبهذا يبقى الحديث عن الإسراء والمعراج حديثا عن قدرة الله تعالى التي لا تضاهيها قدرة، فسبحان من أسرى بنبيه وعرج به إلى السماوات العلى، وأتَى للمؤمنين بالصلاة ليعرجوا إلى الله تعالى بأرواحهم خمس مرات على الأقل!!!

(انظر من معين السيرة 114)

أ. الفضل الفلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *