الإصلاح بين دعاته وأدعيائه(شروط الإصلاح وصفات المصلحين)


إن الله خلق الكون بما فيه في نظام مُحكمٍ دقيق، متكاملٍ صالح للإعمار، وجعله بما فيه مسخَّرا للإنسان الذي هوخليفة الله في أرضه، وأمره بالإصلاح في الأرض، وحذَّره من الإفساد فيها، وصدِّ الناس عن دين الله، وحثَّه على التأمل في مصير الظالمين المفسدين، الذين تجاوزوا قوانين الله في كونه، ونهاه عن سلوك طريق الذين طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، حتى صبَّ عليهم ربهم سوط عذاب، حيث كان لهم بالمرصاد، فقال جل شأنه: {ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها، ذلك خير لكم إن كنتم مومنين، ولا تقعدوا بكل صراط تُوعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتَبغُونها عوجا، واذكروا إذ كنتم قليلا فكثَّركُم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}(الأعراف : 85).
فما هوالإصلاح الذي نفتقده اليوم؟ وما هي الصفات التي ينبغي توفرها فيمن يتصدى له؟ وما هي شروط نجاحه؟ هذا ما تحاول الأسطر التالية أن تجيب عنه.
– ما هوالإصلاح؟
الإصلاح في الإسلام باختصار هو: “تصويب ما اعوج في ممارسة أمور الدين والدنيا، والعودة بها إلى الأصل الذي لم يلحقه فساد الزوائد والمحدثات”.
وهوالتغيير إلى الأفضل، والصلاح ضد الفساد، والإصلاح ضد الإفساد.
الأنبياء والمرسلون قادة المصلحين
إن الله جلت قدرته اختار خير َالناس وأزكاهم لإصلاح شؤون العباد النفسية والدنيوية والأخروية، وهم الأنبياء والرسل، السادة الصالحون المصلحون، حيث بُعثوا ببرنامج شامل للإصلاح، فقادوا سفينة الإصلاح بحكمة وسلام مبشرين ومنذرين، وقاموا بواجبهم أحسن قيام، وطهَّروا الأرض من الفساد والظلم والإجرام، وحولوها إلى مجتمعات رحمة وأخوة وسلام، ولقد عُرفت الرسالات السماوية بأنها رسالات إصلاحية، قال سيدنا شعيب \ -وهومن سلسلة المرسلين المصلحين- لقومه: {إن اريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}(هود : 88)، وهوالذي قال لقومه: {ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها}، وقال سيدنا موسى لأخيه هارون عليهما السلام لما ذهب إلى الطور: {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}(الأعراف : 142).
العلماء والدعاة خلفاء الرسل
وبعد ذهاب الرسل قام بمهمة الإصلاح وقمْعِ الفساد ورثَتُهم الأوفياء العلماء والدعاة والأولياء، حيث اقتفَوْا سبيل الرسل وما بدلوا تبديلا، فها هم قوم قارون الصالحون جعلوا ينصحونه لمَّا طغى وبغى قائلين له: {وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين}(القصص : 77)، ولقد تصدَّى رجال الإصلاح الأوفياء عبر التاريخ للمفسدين وقطعوا الطريق عليهم، ووقفوا في وجوههم لئلا ينتشر الفساد وتَعُمَّ أضراره وتصابَ الدنيا كلها بويلاته، قال الله عز وجل: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض}(البقرة : 249). ولما طال العهد بالناس، وابتعدوا عن زمن الرسالات والرسل، ضَعُف الإيمان وبليَ في قلوب واندثر من أخرى، وفترت الهمم، وضعفت الإرادات، ومالت الأفئدة إلى الشر، وسقطت النفوس في المنكرات، فكثُرت الفواحش والرذائل بكل أنواعها، وفسدت أحوال الأمة عبر القرون، وقلَّ المصلحون حتى تحكَّم المفسدون في أزِمَّة الأمور، وأرادوها حياة فاسدة كاسدة، واكتفى من بقي فيهم الخير من هذه الأمة بإصلاح أحوال أنفسهم، فمالوا إلى الزوايا والتكايا والخلوات ومجالس الذكر والمجاهدة منقطعين إلى ربهم يشكون إليه فساد العباد ونكد الحياة.
أمواج الفساد ومكر المفسدين
إن واقعنا اليوم يُعرف بعصر الفساد والمفسدين بامتياز، تكاثَر فيه المفسدون وظهرت فيه أنواع الفساد وأشكاله، وأمكنته ودعاته وحُماته، وبُغاته ومروجوه ومنابره حتى طمَّ، والبلاد والعباد عمَّ، حتى انتشرت مظاهره في كل مكان، ودخل أغلب المجالات، وعلا أصحابه وغلبوا المصلحين، فأصبحنا نرى طوفانا من الفساد مُغرقا، ولا أحد يستطيع أن يُنكر هذه الحقيقة، قال الله عز وجل: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}(الروم : 40). وأمام أمواج الفساد العارمة تضايق الناس من ويلاته، وادَّعى الكل الإصلاح، وكثُر دعاته وأدعياؤه، ومنابره وهيئاته، وتعددت البرامج، ولكن الله خيَّب ظنهم وأظهر مكرهم وكشف سوء نواياهم، فعجزوا وفشلوا لأنهم أبْعَدوا مناهج الأمة وجاءوها ببرامج لا تَصْلُح لها، فانطبق عليهم قول الله عز وجل: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}(البقرة : 10- 11)، وسبب فشلهم هوأنهم استوردوا لأبناء الإسلام حلولا غريبة عنهم، وطبقوها على أرض الإسلام وبين أبنائه، وأبعدوا الدين عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية، واعتقدوا أنه باستطاعتهم إصلاح الأوضاع بذلك، فخابوا وباءوا بالفشل، قال الله عز وجل في مثلهم: {قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين كفروا بئايات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}(الكهف : 99- 100)، وقال الله تعالى عن المنافقين الذين يدَّعون الصلاح والإصلاح وهم أبعد الناس عنه: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الارْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالاثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِيسَ الْمِهَادُ}(البقرة : 204- 206).
ولقد جرَّبت الإنسانية في هذه العصور مجموعة من النظريات، وعاشت كثيرا من التجارب ومحاولات الإصلاح المستوحاة من أهواء الناس وتفكيرهم الأعوج السقيم، فرغم بعضِ التقدم المادي الذي أحرزته أحيانا، يبقى الفشل والمعاناة في الجوانب النفسية والأخلاقية والاجتماعية والروحية، ولم تحصل على الاطمئنان المنشود والأمان المفقود.
نموذج للمفسدين
عرف تاريخ البشرية كثيرا من المفسدين الذين ادَّعوا الإصلاح، وخدعوا الناس بكلامهم المنمق المزوق، حيث قلبوا الحقائق، وظهروا للناس في أثواب الصالحين، فردُّوا الصلاح فسادا والفساد صلاحا، وواجهوا وقمعوا الصادقين من أهل الإصلاح، واتهموهم بالإفساد، ومن هذه النماذج فرعون المفسد المستبد الذي فضح الوحيُ الإلهي المنزل على موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام حقيقتَه، وأظهر مكرَه قبل أن يفضحه التاريخ الذي هوميدان التجارب، قال فرعون الملعون كما حكى عنه القرءان : {ذرُوني أقتل موسى وليدْعُ ربه، إني أخاف أن يبدِّل دينكم وأن يظهر في الارض الفساد}(غافر : 26)، إنه نموذج لفراعنة كل زمان ومكان الطغاة البغاة المستبدين الذين يُعادون الحق وأهله، وينسُبُون إليهم الشر، مَنِ المُصلحُ هل هوموسى الذي نبذ الباطل ودعا إلى الله وأصلح شؤون الناس؟، أم هوفرعون الذي ادَّعى الربوبية وقتل آلاف أبناء بني إسرائيل، وحبس نساءهم للخدمة؟، قال الله جل شأنه : {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهدُ الله على ما في قلبه وهوألدُّ الخصام، وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}(البقرة : 202- 203).
وفي عصرنا الحالي وأمام كثرة الفساد وتمكُّنِ المفسدين، ومحاولات الإصلاح الفاشلة يئس الناس ونفضوا أيديهم من الذين يزعمون الإصلاح وقطعوا منهم رجاءهم وفقدوا الثقة فيهم بعد فشلهم، وأخذوا يبحثون عن مصلحين حقيقيين غير كاذبين ليخلصوهم من أزَماتهم، فما هي صفات وبرامج المصلحين الحقيقيين القادرين على تغيير الواقع وكنسِ دنَسِ المُدَنِّسين؟، وتطهير المجتمع من فساد المفسدين؟.
القرآن الكريم منهج المصلحين
إن منهج الإصلاح يجب أن يُؤخذ من القرءان الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال الله تعالى : {والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين}(الأعراف : 170)، وقال الله جل شأنه: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنْكا ونحشرُه يوم القيامة أعمى}(طه : 121- 122)، دستور المسلمين الخالد فيه شفاء لأمراض المجتمعات وحلُُّ لمشكلاتها وتنفيس لأزماتها، قال يؤكد هذه الأمور: >سيكون بعدي فتن كقطع الليل المظلم<، قال علي ] : “وما المخرج منها يا رسول الله”؟، قال: >كتاب الله : فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هوالفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله<(الترمذي).
ألا وإن الاعتماد على غير هذا الأمر يوسِّع رقعة الفساد ويعقد الأمور ويسبب الفوضى والاضطرابات ويقلب الحقائق، فيصبح المجرم مصلحا، ويغدوالجاهل الذي يفسد مواطنا صالحا مصلحا ومؤمنا تقيا نقيا، رغم كونه مهمِّشا للدين في جل جوانب الحياة، مستضعِفا لعباد الله الأتقياء، حينذاك تضيع الأمانات، وتُنتَهك الأعراض، وتبدَّدُ أموال الأمة وطاقاتها وثرواتها، ويفسد أبناؤها، وتُهدر كرامة الإنسان في ظل الحكم الجائر البعيد عن الإسلام وتعاليمه العادلة، يقول الرسول الكريم : >إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل وكيف إضاعتها؟، قال إذا أُسْنِد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة<(البخاري)، ومعنى الحديث أن كل بلاد تولي أمورها من ليسوا أهلا للمسؤولية فانتظر ساعة خرابها وهلاكها.
إن السبيل الوحيد للإصلاح هوشريعة الله الخالدة العادلة الصالحة لكل زمان ومكان وإنسان، المنزَّلة من خالق الإنسان الذي يعلم ما يصلح له وما يضره {ألا يعلم من خلق وهواللطيف الخبير}(الملك : 14)، والذي يعلم المصلح من المدَّعي {والله يعلم المفسد من المصلح}(البقرة : 218).
ألا فليكن لنا يقين أنه لن يتحقق لأمتنا صلاح ولا إصلاح، ولن تُحَلَّ مشكلاتها في غياب دين الله عز وجل، وفي غياب المصلحين الحقيقيين، الذين لا يُفتح لهم المجال للإصلاح والتعبير عن آرائهم، لخوف المفسدين على مصالحهم، ولن تَصلُح أحوالنا إلا برجال أقوياء أشداء رحماء أمناء، كأمثال العُمَرَين وصلاح الدين والملك المظفر ويوسف بن تاشفين وغيرهم من العلماء والقادة الصالحين المصلحين الذين لم يخْلُ منهم زمان ولا مكان، قال الإمام مالك رحمه الله: “لن يَصلُح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح به أولها”، أي بالقرآن والسنة والقادة الصالحين العادلين.
ولكي ينجح المشروع الإصلاحي للمصلحين لابد لهم من الابتعاد عن المفسدين -بعد نصحهم وتذكيرهم وعدم استجابتهم-، وكشْفِ زيفهم للناس، لِمَا قاموا به من دور تخريبي تغريبي خرَّب البلاد وأفسد العباد، ولأنهم هم من سببَّ المشاكل وعقَّد الأمور، والعمل بحرية واستقلالية بعيدا عنهم وعن أجهزتهم خشية تزكيتهم والسكوت عن فسادهم والركون إليهم والوقوع في شباكهم.
شروط نجاح الإصلاح الحقيقي
ولكي يتحقق الإصلاح لا بد من توفر عدة شروط، ومن أهمها ما يلي:
أولا: صلاح من يقوم لمهمة الإصلاح:
فصلاح القائمين لهذه المهمة في أنفسهم، ونزاهتُم واستقامتهم على الحق ظاهرا وباطنا ضروري ليتحقق الإصلاح، إذ لا يمكن أن يحقق الإصلاح رجال قلوبهم منطوية على الشر، وجوانِحُهم تفور بالفساد والغدر، ونواياهم تفتل في حبل المكر، يكذبون على الناس للوصول إلى غاياتهم ويدوسون مصالح العامة لتحقيق أهدافهم ونيل مآربهم، قال الله عز وجل :{إن الله لا يصلح عمل المفسدين}(يونس : 81)، وقال الحكماء قديما:” فاقد الشيء لا يعطيه”، وأن يكونوا مهتدين بهدي القرآن متوكلين على الله راجعين إليه وإلى شرعه في كل حال، اقتداء بسيدنا شعيب زعيم المصلحين الذي قال: {إن اريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله،عليه توكلت، وإليه أنيب}(هود : 88)، وأن يكونوا ساعين في مصالح غيرهم، قائمين على حقوق الناس بالعدل والقسط، وتتجلى عليهم أخلاق الأمانة والعفة والإتقان والرحمة فيما يتولونه من مسؤوليات ومهام.
وعندما يوجد الإنسان الصالح المصلح يُنشِئ مجتمعا طيبا نقيا يسوده العدل والرحمة والأمن والعيش الرغيد والاستقرار، ويملؤه الخير في كل جوانب الحياة، ويتحقق التسيير الرشيد، ويحصل التغيير السديد، وتتبوأ الأمة منزلة الشهادة على الناس، وتحصل لها الريادة في كل مجال، وتُنْقِذ الضعاف من ظلم الظالمين وتأخذ بيد الحائرين التائهين إلى طريق ربها وتقودها إلى سبيل الهدى والنور والسعادة والفوز في الدنيا والآخرة
. ثانيا : صوابية المنهج
وذلك باعتماد المنهج الإسلامي في تربية الناس وإصلاح سلوكهم وتقويم اعوجاجهم، لإخراج المواطن الصالح في نفسه المصلح لما حوله، الكانس للفساد الذي خلَّفه المفسدون، يملأ الأرض عدلا ورحمة وخيرا، وينشر ثقافة السلام ومبادئ الوئام في المجتمعات الإنسانية، ولا يَتِم ُّهذا إلا إذا تغيرت نفوس الناس وقلوبهم ونياتهم مما هي عليه من الشر والخديعة والمكر والطوية السيئة بالتربية والتوجيه، قال الله عز وجل : {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(الرعد : 11)، وقال الرسول : >ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب <(البخاري ومسلم)، وكل إصلاح لا يبدأ أولا من القلوب، ولا يعتمد التربية الإيمانية القلبية التي تُحِلُّ في باطن الأفئدة طمأنينةَ الإيمان وسكينة َالله، والخوف من الله قبل كل شيء، فهو حَوَمان حول الإصلاح دون ولوج لبابه، وهوطِلاء وقتي، وإن الإنسان إذا لم يتغير بطريقة جذرية من حيث إيمانه وسلوكه وأفكاره ومواقفه، فلا صلاح ولا إصلاح، والذين يحاولون الإصلاح من غير أن يعتمدوا على هذه الأمور مآلهم الفشل وتضييع الوقت والجهد، وإطالة عمر الفساد.
وبصفة عامة فإن الإصلاح لا يحققه إلا ذوو النيات الحسنة، والإيمان الراسخ، والعمل الظاهر الصالح، وذوو الخشية من الله، الذين يعملون بنية أداء الواجب الديني ابتغاء لوجه الله وانتظارا للجزاء الأخروي قبل الأجر الدنيوي، وسيظل الفساد مستقرا معششا في مجتمعاتنا مهما تغيرت البرامج والأشخاص ما داموا في بُعْد عن الله، رافضين لمنهج الله، لا تتوفر فيهم هذه الشروط، والتجارب التي مرت بالأجيال خير مثال على ما نقول. إن المنهج القرآني كوَّن رجالا ربانيين سجل التاريخ مواقفهم الإصلاحية بفخر، بعثهم الله إلى الأمة في حالة أزماتها، فأصلحوا أوضاعها وداوَوْا أمراضها، وحلُّوا مشاكلها وخلَّصوها مما كانت تعاني منه، إنهم كنوز في الأمة مخبوءة وأدوية نافعة، رجال المواقف والجد والحزم والحسم والعزم، أعطَوْا قبل أن يأخذوا، وأدَّوا واجباتهم قبل أن يطلبوا حقوقهم.

ثالثا: عدم تكرار التجارب السابقة الفاشلة:
ليتحقق الإصلاح لابد من الابتعاد عن كل النظريات والبرامج البشرية الوضعية، والإيديولوجيات الغربية البعيدة عن الشِّرْعة الإلهية والمنهاج النبوي التي أثبتت التجارب فشلها وعدم صلاحيتها حيث لم تؤد إلا لضياع الإنسانية وهلاكها وتبعيتها للقوى المعادية للإسلام والمسلمين، وتِيهِها في بحر من الفتن، ولم تأت بما ينشده الإنسان.
رابعا: قابلية وفاعلية السواد الأعظم :
إن نجاح مشاريع الإصلاح رهين بقابلية السواد الأعظم من الناس لها والالتزام بها ونشرها والتضحية من أجلها، وحمْل مشروعها والعمل من أجله والدفاع عنه، فصلاحُ الأشخاص لا يكفي مع صلاح الوسيلة، إذ كم من نبي بُعث في قومه وهوصالح ومنهجه صالح، إلا أن مشروعه الإصلاحي لم ينجح لعدم قبول قومه له، وعدم تضحيتهم من أجله.
خــاتــمــــة
إن أمتنا اليوم في أشد الحاجة إلى مصلحين صادقين أكفاء نزهاء أتقياء لهم حظ وافر من ميراث النبوة ليصلحوا أحوال الأمة ويغيروا واقعها المشهود إلى واقع منشود، ويُرجعوا عزها المفقود، عز الحضارة الإسلامية وأخلاقها وعدلها ورحمتها وإيمانها وشهودها، ويسعَوْا لتحقيق صلاح الإنسانية جمعاء، وإيصال دعوة الله إلى من يجهلها بالتي هي أحسن، والقيام بمهمة الخلافة في الأرض أحسن قيام، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، قال الله عز وجل: {من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهومومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}(النحل : 97).

ذ. أحمد المتوكل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *