آيات ومواقف – وجئنا ببضاعة مزجاة


قال تعالى : {وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، إن الله يجزي المتصدقين}(يوسف : 88).

السفر طويل، والمنزل بعيد، والزاد قليل، فاللهم لطفك بعُبيدك حتى يبلغ مأمنه، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

انظر أيها الأخ الكريم إلى بضاعتك من الحسنات : ما كميتها؟ وكيف هي حالتها؟ فإنك في حا جة ماسة إلى بضاعة ممتازة وكثيرة، يوم يقوم الناس لرب العالمين. فيقال لكل واحد منهم {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}. فإن من قلت بضاعته خفت موازينه، ومن خفت موازينه فقد خسر خسرانا مبينا {وأما من خفت موازيه فأمه هاويه، وما أدراك ما هية نار حامية} ومثله من وجد البضاعة رديئة، والخزينة خاوية، كمن كان لا يتم صلاة ولا يتحرى زكاة، أو كان يعمل القربة ويشرك فيها مع الله غيره، فيقرأ ليقال إنه قارئ، ويجاهد ليقال إنه شجاع، ويتصدق ليقال إنه جواد.

أصلح الخلل الآن، كثّر البضاعة قبل فوات الأوان، فقد أخبر النبي  مثلا أن لكل حرف من القرآن حسنة وأن الحسنة بعشر أمثالها عند قراءة القرآن، ثم قال : >لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف< وكذلك الشأن في باقي القربات {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}.

إن بداية النجاح لديك في عدم غفلتك عن قلة زادك، ورداءة بضاعتك، فاجتهد في تغييرها بأحسن منها، حتى ينفعك الله بها في عرصات القيامة، يرحم الله معاذ بن جبل، فإنه لما حضرته الوفاة قال : >اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حِلق الذّكر<.

ولما حضرت عامر بن عبد القيس الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك؟ فقال : ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا، ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر، وقيام الليل في الشتاء.

وبكى ابن المنكدر عند وفاته فسئل عن ذلك فقال : >والله ما أبكي لذنب أعلم أني أتيته، ولكن أخاف أني أتيت شيئا حسبته هينا وهو عند الله عظيم<(1).

فما رأيك أنت؟ وما خبر بضاعتك؟ وما رأيك في زادك الذي تعده ليوم ميعادك؟

كان ابن الوقاد إماما متبحرا، وعالما فقيها متفردا، فلما أحس بدنو أجله، وقرب رحيله، ذكر قول الله تعالى : {وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يحب المتصدقين} وظل يكررها ويبكي(2).

فاللهم إن بضاعتنا مزجاة، وزادنا قليل، وأنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، حتى نكون من الفائزين، وندخل جنتك في جوار حبيبك الأمين، عليه الصلاة والسلام.

ذ. امحمد العمراوي

——

1-  الإحياء 512/4.

2- طبقات الحضيكي 287/1.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *