6- لفظة : التحسيس واستعمالاتها


تستعمل لفظة التحسيس في سياقات متنوعة مثل : >أنشطة تحسيسية< و>دورة تحسيسية< و>برامج تحسيسية< ولعل مستعملي لفظة التحسيس يقصدون بها الاعلام والاشعار وهو ما قد تفيده كَلِمة >حسّ< أو >أحَسّ< في بعض السياقات، لا لفظة >حسْسَ< التي هي أصل >للتحسيس< يقول ابن منظور >حسَّ بالشيء يحُسّ حسّاً، وأحـسَّ بـه وأحسه : شعُــرَ< ل ع 49/6. هكذا يتضح من قول ابن منظور أن الإحساس بمعنى الشعور من >حسّ< على وزن >فعل< أو أحس على وزن >أفعل< لكن الأرجح أن يكون من أفعل الذي ينسجم مع القاعدة (القياس) لأن كل كلمة على وزن أفعل يكون مصدرها على وزن إفعال مثل أكرم إكرام، وأحْسَن إحسان، وعلى هذا الوزن أحس إحساس.
ويبدو أن هذه البنية >حَسَّسَ< التي هي أصل >للتحسيس< غير مستعملة من هذه المادة الأصل التي هي >حسَّ< لأن المفروض أن هذا الأصل >حسَّ< تشتق منه الأفعال المزيدة التي يفترض أن يكون من بينها فِعْل >حسّسَ< على وزن فعَّل ليكون مصدرها >تحسيس< الذي نحن بصدد الحديث عن وظيفته الدلالية، إن صح وروده في اللغة العربية لأنّ القاعدة في مصدر >فَعَّل< الرباعي أن يأتي على وزن >تفعيل< وفي هذا يقول الاسترابادي وهو يتحدث عن مصدر فعْل >كرَّم< : >تفعيل : في غير الناقص مُطَّرد قياسي 164/1 وكلام الاسترابادي يعني أن القاعدة في مصدر كل فعل رباعي على وزن >فعَّل< المشدد العين هو تَفْعِيل مثل كرّم تكريم، وقدَّم تقديم، وسبَّح تسبيح وهكذا… وعلى هذا نستنتج أن أصل (لفظة) >تحسيس< هو >حَسًّسَ< وهي (لفظة) مهملة غير مسموعة، وقد تصفحْنا عدداً من المعاجم التي بين أيدينا ولم نجدها!
والذي يظهر أن مجموعةً من الأفعال الثلاثية المُضَعَّفة مثل حسَّ، وحشَّ، وحطَّ، وحجَّ… لا يشتق منها الفعل على وزن فعَّل فلا نقول مثلا >حشَّش< ولا >حطَّط<، و>حجَّج< ولا >حظّظ، ولا >حتَّت< في حشّ، وحظ وحجّ، وحظّ ،فكل هذه الأفعال لا يصاغ منها الرّباعي على وزن >فعَّل< بتضعيف العين، وعليه ففعل >حسَّ< من هذا النوع لا ياتي منه الرباعي على وزن >حسَّسَ< ليكون مصدره >تحسيس< المستعمل كثيرا في اللغة العربية (الجديدة)، وإذا صحَّ هذا الافتراض، ولا نراه إلا صحيحا، فإن استعمال (لفظة) >التحسيس) التي يقصد بها ما يقصد استعمال غير سليم، إلا أن يكون من باب الاجتهاد، قياساً على الكلمات المشابهة لفعل >حسّ< التي يأتي منها الرباعي على وزن >فعَّل< مثل >حكَّ< و>حمّ< و>حبَّ< و>حثَّ< و>حرّ<، و>حزّ<…الخ فنحن نقول مثلا : حكَّك، وحلَّل، وحمَّم، وحبَّب.. وهذا أمر بعيد، أي استعمال (لفظة) >التحسيس) اجتهادا لسد فراغ لغوي مّا، وهذا الاجتهاد الذي يسمح بإحياء المهمل، واستعماله بدل الأجنبي مقبُول من وجهة نظرنا إذا دعت الحاجة إليه، لكن هذا الفراغ غير موجود حسب ما يبدو، فقد رأينا في الأسطر السابقة أن الفعل المزيد >أحَسَّ< على وزن أفعل هو أصل للإحساس الذي هو الشعور، وعليه يكون استعمال >التحسيس< بمعنى >الإحساس< من ضعف الإحساس باحترام قواعد اللغة العربية، لأن >التحسيس< في عرف قواعد اللغة العربية (لفظة) مهملة لا ترقى حتى إلى مستوى الكلمة، فهي غير معتبرة في مستوى البنيات اللغوية التي تصلح للتواصل.
وإذا سلمنا بأن المقصود هو الإحساس المعبر عنه خطئا بالتحسيس فهل يجوز لأي منا أن يجعل غيره يحس؟!

-يتبع-

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *