(26 أبريل) اليوم العالمي للملكية الفكرية –  الجريدة الإسلامية بين ملكية الـمفكر وحرية الباحث


لعل أبرز ما يشد انتباه القارئ أثناء تصفحه لأحد البحوث أو الدراسات الفكرية : الغياب الشبه التام في هوامش ومراجع ذلك البحث و الدراسة الإشارة إلى الجرائد أو الصحف المستفاد منها أو التي كانت مصدرا من مصادر البحث. ولعل السبب في ذلك يعود في نظري البسيط إلى :
– عدم مراعاة الملكية الفكرية والأمانة العلمية للجريدة، وأخذ ما طاب ثمره وقل ثمنه دون إرجاع كلمة لصاحبها أو فكرة لمصدرها.
– عدم اهتمام الباحثين بالجريدة ومواضيعها :ويكون لسببين :
أ- القول بأن للجريدة غرض تجاري ترجوا تحقيقه من مختلف الأعداد المنشورة وبذلك تكون المواضيع اللافتة لانتباه الجماهير ذات أولوية خاصة وأسبقية في النشر على الصفحات الأولى، فتكون المواضيع المنشورة تستهدف الربح ولا تستهدف الفكر، ولذلك لا يلتفت إليها من الجانب العلمي والفكري، وتبقى وسيلة من وسائل الترفيه لا من وسائل التعليم.

ب- القول بأن الجريدة لم يكن لها أي صلة بالعلم إذ أن اختصاصها الأول هو نشر الأخبار -صائبة أو مغلوطة- وتغطية الحوادث والوقائع، فهي بذلك أبعد من مناقشة الأفكار والأطروحات والنظريات العلمية، فتكون الجريدة إخبارية تراعي ضخامة الحدث أكثر منها علمية تراعي صدقية البحث وأثره.
عند هذا الحد يطرح القارئ تساؤله :
هل انعدمت البحوث القيمة والدراسات الفكرية المفيدة فيكون سببا لعدم تناول الجريدة لها؟ الأمر الذي دفع الباحثين لعدم الاهتمام بها؟ أم أن الجريدة هي أبعد ما تكون عن الفكر والعلم كما يقولون؟
لاشك أن هذا التساؤل يدفعنا بشكل كبير إلى التكلم ولو بشيء يسير عن بدايات الصحافة وخصوصا الإسلامية، لما هو ملاحظ من تجليات الواقع أن جميع ما يطرح من الأفكار والنظريات والدراسات تتناوله الصحافة الإسلامية بالخصوص دون نظيرتها العربية أو الحزبية أو غيرها من الأشكال المختلفة المختصة في ألوان المساحيق وجديد الموضات.
لقد تم وصف الصحافة أو الجريدة بالإسلامية لتميزها عن غيرها بدراسة شؤون المسلمين وقضاياهم سواء الاجتماعية أو الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية، إذ اختصاصها كل ما له صلة بالإنسان المسلم سواء من قريب أو من بعيد.
إن أبرز الصحف الإسلامية التي شهدت اهتماما خاصا من لدن المفكرين في السنين السابقة من يوميات أو أسبوعيات أو شهريات على سبيل المثال لا الحصر :
– “ثمرات الفنون” التي عاشت فترة طويلة في لبنان (1885 – 1908).
– “المؤيد” الصحيفة اليومية المصرية التي صدرت سنة (01- 12- 1889)
– “الاعتصام” لأحمد عيسى عاشور سنة (1929).
– “اللواء” سنة (1900-01-02).
– “المنار” المصرية (1898) والتي أدخلت أسلوب المعالجة الحديث وقضايا المسلمين إلى الصحافة الإسلامية.
– “الحياة” (1899) ولم تلبث أن توقفت بينما استمرت المنار حتى توفي صاحبها رشيد رضا سنة (1935).
– “العروة الوثقى” التي أصدرها الأفغاني ومحمد عبده في باريس (1884) والتي لم يصدر منها إلا (16) عددا ثم توقفت.
– “الهداية” للشيخ عبد العزيز جاويش وقد عنيت بتفسير القرآن وناسخه ومنسوخه.
– “مجلة الأزهر” لحسن رفقي وإبراهيم مصطفى (1889) وهي المجلة التي استأجرها وليم ولكوكس فيما بعد لنشر دعوته إلى العامية.
– “مجلة الإسلام” وهي أقدم مجلة إسلامية تحمل اسم الإسلام إذ بدأت سنة (1894) وتوقفت سنة (1914) ولم يسبقها إلا مجلة الأزهر.
– “الهدي النبوي” و”الإصلاح” لمحمد حامد الفقي (1937).
– “دعوة الحق” المغربية.
وغيرها كثير.
من خلال هذه النظرة السريعة يظهر أن الجريدة لم تكن غائبة عن الإنسان المسلم ومعايشة قضاياه بل كانت حاضرة معه بكل أطياف اللون وأنواع الخط، منذ أن كانت أوروبا تسمي الحصان “وحشا”، ولها فضل كبير في فهم ومناقشة قضايا مصيرية، يقول أحمد علي الشاذلي : (إن الجرائد لها من الفضل ما يضيق عن حصر نطاقه بيان كاتب أو قلم شاعر إذ هي مصباح النهى ورائد الأمة ومرآة ذوي الأمور، بها يعرضون ما انطوى عليه العالم شرقا وغربا ويهتدون إلى حجة الصواب بلا معاناة سفرٍ أو معاناة حركة فكم حملت مخترعات ووضعت أُسسا وربت بنين وبنات وهذبت رجالا وشيوخا وهي السبب الأكبر الذي نهض بالغربيين إلى هذا الحد الذي نراه حين اعتاضوا بحرب الأقلام عن حرب المدافع واستغنوا بالطروس عن الديناميت وبالحبر عن النوربين)(1).
لقد كان من أبرز ما تؤكد عليه الجريدة الإسلامية في أعدادها طيلة سنوات صدورها إلى اليوم :
– إقامة أقوى الأدلة العلمية على أن الديانة الإسلامية هي روح العمران وقوام سعادة الإنسان بطرق لا تجعل للشكوك مجالا في الأذهان مستغلة في ذلك ما يخرج من الدراسات الفكرية والطبية والنفسية والعلمية والفلكية والاجتماعية وغيرها.
– تثبيت الأصول الدينية في العقول الطامحة من نشر بحوث تخص العقيدة والفكر والسلوك.
– مناقشة كل ما يطفو على السطح الإسلامي وإزالة ما يدعو إلى الشك بالبرهان والحجة والدليل.
وبذلك فقد كانت الجريدة هي أول من تصدى لمكر المستشرقين ودافع عن حمى الدين دفاعا مستميتا أقوى وأعتى من دفاع الدبابات والرشاشات حتى أصبحت كل نفس مسلمة تكن الشكر والمحبة العظيمة للجريدة الإسلامية أينما وجدت وإن كانت فتية، فقد كانت جدتها عتيّة على محاربي الأمة والإسلام.
يقول الأستاذ فريد وجدي : (إن مقصد المجلة هو الحيلولة بين مكاريت الإلحاد وأذهان أبناء المشرق، وإننا وإن كنا لا نود فائدة مادية من هذه المجلة إلا أننا لا نود أيضا أن نخسر فيها كثيرا، وإننا لم نتشجع على تحمل هذه الخسائر المادية إلا لما نعلمه من شغف الخاصة والعامة بمطالعة ما نكتبه، وقد اعتضدنا في سائر أبحاثنا ببراهين الفلسفة الغربية واستخدمنا نتائج أفكار قادتها وثمرات كدهم وكدحهم في تأييد أصولنا الإسلامية مراعاة لمطلوب العصر الحاضر ومجاراة للأميال العامة رأينا أن اندفاق مدنية الغرب على الشرق ستجر معها ما يلابسها من سموم قاتلة ومكاريت هائلة فوجدنا أن أجل خدمة تؤدى للإسلام هي وقوف بعض بنيه على مآرب ذلك التيار المندفع بمصفاة من العلم لتحجز ما تحمله من قذر وتترك السبيل لسلسبيله الصافي ليرده من بعد الورود بلا خوف ولا تحرج)(1). لقد أولت الصحافة الإسلامية اهتماماً كبيرا لأحوال المسلمين في العالم فتحدثت عن مسلمي بلغاريا وروسيا والبوسنة والهرسك وتنزانيا وإريتريا وانتشار الإسلام في العالم، كما أولت اهتماماً للغة العربية وإحياء التراث الإسلامي وإظهار الشريعة الإسلامية وإزالة الشكوك التي يروجها المشككون والطاعنون، فكانت صحافة دعوة وفكر، صحافة دعوة تحدثت عن التربية والتكوين الخلقي والاجتماعي للمسلم وقدمت له الأبحاث الناضجة البعيدة عن الخلافات والتيارات الفلسفية رغبة في إعداده إعدادا سليما.
وصحافة فكر اعتنت بالدراسات الفلسفية والمنطقية والإسلامية وغيرها وما يأتي من الغرب.
بذلك غطت الصحافة الإسلامية جميع القضايا الإسلامية المثارة في العصر والبيئة ووصلت إلى حد القدرة على كشف وجوه النقص والقصور في تلك القضايا، وعالجت قضايا مصيرية كقضية فلسطين والقدس والهوية والعلم والتدين والحياة والتطور والأديان والحرية والحضارة والاقتصاد وغيرها.
لقد كان للصحافة الإسلامية الفضل في بروز أسماء لامعة في الفكر الإسلامي كمحب الدين الخطيب وأحمد عيسى عاشور ومحمد البشير الإبراهيمي ومحمد حامد الفقي ومحمد رشيد رضا وحسن البنا وصالح عشماوي وعبد الحميد بن باديس ومصطفى السباعي ومحمود أبو الفيض ومحمد محمد علوان ومحمد الخضر حسين وغيرهم كثير. بهاته النظرة السريعة والموجزة يزول قول من يقول أن الجريدة الإسلامية لم تتناول القضايا الفكرية أو كانت غائبة أثناء احتدام الدراسات والنظريات، ولا تخلوا أي جريدة من الجرائد الإسلامية المعاصرة من تناول موضوع فكري أو علمي يكتسي صبغة عالمية أو إسلامية، والقارئ على المجرب في تصديق هذا، وله بين يدي التاريخ من جريدة “الهداية” إلى جريدة “المحجة” الأعداد الكبيرة التي تؤكد تناول الجرائد الإسلامية للمواضيع العلمية المهمة.
وبذلك أيضا يتبين أن المواضيع المناقشة في الدراسات والتي لم يعزى فيها إلى أعداد الجرائد، أصحابها لا يخرجون من أحدى أمرين :
– إما غفلوا أو تغافلوا عن العزو إليها حينما استفادوا منها، ولا يعدوا أن يكون هذا سرقة فكرية.
– إما لم يطالعوا ما جاء في الجرائد والمجلات الإسلامية والتي لا تخلوا من مناقشة ما يمت للباحث بصلة كما سبق، وأصحاب هذا الاتجاه قسمان :
1- قسم لم يتوفر له البحث والتنقيب في كل الجرائد لضيق اليد والحال فيوضح ذلك في مقدمة كتابه أو بحثه، وهذا لا سبيل للتطاول عليه إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
2- قسم توفر له ذلك ولكنه لم يرجع إليه فلا يخلوا أن يكون مقصرا في بحثه ودراسته. إن عدم العزو إلى الجريدة أثناء الاستفادة منها لهو نكران لذلك الفضل العظيم الذي قدمته للأجيال السابقة واللاحقة، ونكران للجميل وإساءة للمعروف وتقديم اليد اليسرى لفاعل خير. فإذا كانت أمة الإسلام التي اشتهرت بالأمانة العلمية منذ القدم والتي غابت عند غيرها من الأمم، فإنه من الأولى العزو إليها كرد جميل وخير واعتراف على ما قدمته الصحافة الإسلامية للإسلام.

ذ. امحمد رحماني
——–
1 – تاريخ الصحافة الإسلامية الجزء الأول لأنوار الجندي، ص: 5.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *