مــيـثـاق الـفـتــوى(2/2)


بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبينا محمد وعلى وأصحابه أجمعين .

وبعد: فقد دعت رابطة العالم الإسلامي إلى (المؤتمر العالمي للفتوى وضوابطها) عدداً كبيراً من المفتين والعلماء في العالم الإسلامي ، وذلك لمناقشة قضية من أهم قضايا المسلمين المعاصرة ، ألا وهي قضية الفتوى، وبيان أهميتها وخطرها وما يعرض لها من مشكلات قد تثير بلبلة في صفوف المسلمين، وتؤدي في بعض الأحيان إلى الاختلاف والفرقة وتشويه صورة الإسلام، وقد خلصوا إلى ميثاق الفتوى، المكون من ثلاثة أبواب ، والمشتمل على إحدى وأربعين مادة .
الباب الثالث : الحلول والضوابط

من أهم الحلول والضوابط لكي تحتل الفتوى مكانها اللائق بها ما يلي:

16- تعميق الشعور لدى المجتمع والأفراد بأهمية منصب الإفتاء، وأنه ليس إبداء للآراء الشخصية، أو تحكيماً للعقل المجرد، أو استجابة للعواطف النفسية، أو تحقيقاً للمصالح الدنيوية المتوهمة، بل هو تبيين لما شرع الله سبحانه وتعالى لعباده من شرائع وأحكام بأدلتها.
17- تأسيس الفتوى على علم صحيح مبني على الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما من إجماع أو قياس صحيح أو أصل شرعي معتبر، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}(النساء : 59). وقال تعالى : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ () يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(المائدة : 15- 16).
وقال تعالى : {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} الأعراف3.
وقال : >عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ<(رواه مسلم).

وقال : >قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى أختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين<(رواه أحمد واللفظ له وابن ماجه والحاكم).

18- الحذر من أي ضغوط قد تؤثر على المفتي في بيانه لحكم الله في المسألة، قال تعالى : {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}(الأحزاب : 39).

19- التحوط البالغ في الحكم بتكفير أحد من المسلمين، فلا يجوز تكفير مسلم إلا بإتيانه ناقضاً من نواقض الإسلام، لا يقبل تأويلاً، فإن تكفير المسلم من أعظم ما حذر منه رسول الله حيث قال : >إذا قال الرجل لأخيه : يا كافر، فقد باء بها أحدهما<(رواه مسلم).

20- الحذر من الفتاوى الضالة المضلة التي تدعو الناس إلى سفك الدماء المعصومة بغير حق، والتأكيد على أن حفظها من أعظم مقاصد الشريعة الغراء، قال تعالى : {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}(المائدة : 32).
21- وجوب اتباع ما ورد فيه نص من كتاب الله أو سنة رسوله ، لأنه الحق والعدل، ولا حق ولا عدل في غيره، ولأنه المصلحة، ولا مصلحة فيما سواه، وما قد يُظن مصلحة مما يصادم النص ليس في الحقيقة مصلحة، بل هو أهواء وشهوات زينتها النفوس، وألبستها العادات والتقاليد ثوب المصالح، قال تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب : 36).
وقال تعالى : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(النور : 63).
وقال تعالى : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}(الحشر : 7). فالأقوال والأعمال توزن بميزان الكتاب والسنة الصحيحة، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان. قال الشافعي رحمه الله : أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
22- الحذر من الحيل الباطلة للوصول إلى إستباحة المحرمات في الشريعة، قال : >قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها<(متفق عليه). وقد نقل الثقات إجماع الصحابة على تحريم الحيل الباطلة، وإجماع الصحابة من أقوى الأدلة وآكدها.
23- أهمية تحرير عبارة الفتوى تحريراً رصيناً واضحاً بعيداً عن الإيجاز المخل، أو الإطناب الممل، مع ذكر الشروط والقيود التي تتعلق بالحكم؛ لئلا تفهم الفتوى على وجه غير صحيح، وحتى لا يستغلها الذين يبغون إثارة الفتن بين المسلمين، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}(الأحزاب :70).
24- عدم التوسع في ذكر الخلاف الفقهي في المسألة، وعلى المفتى عند ذكر الخلاف أن يختار من الأقوال التي ذكرها الأسعد بالدليل.
25- التحذير من الفتاوى الشاذة المصادمة لنصوص الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة الصالح ومن الأخذ بها، أو تقليد صاحبها، أو نقلها والترويج لها؛ لأنها مخالفة للشرع. ولا تعد خلافاً معتبراً في المسائل الشرعية.
26- المنهاج الشرعي مبني على الوسط، لا على مطلق التشديد، ولا على مطلق التخفيف، والحمل على ذلك هو الموافق لقصد الشارع، وهو منهج السلف الصالح، قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}(البقرة : 143).
27- التأكيد على أهمية الثقة بفتاوى العلماء الربانيين والاطمئنان إليها، ونشرها في المجتمع ؛ لما لها من أثر كبير في حمل الناس على المنهج الوسط في الاعتقاد والعبادات والمعاملات، وإبعادهم عن الغلو والتشدد، والتساهل والانحلال.
28- وجوب قيام المفتين بواجباتهم والتصدي للفتاوى الشاذة والرد عليها ؛ لما في ذلك من مصالح للإسلام والمسلمين، ومنها:

أ- وحدة الأمة، وحفظ هويتها، واجتماع كلمتها على الشريعة الإسلامية.

ب- الحفاظ على وسطية الأمة في دينها، وإظهار الصورة الحقيقية للإسلام.

ج- اطمئنان أفراد المجتمع الإسلامي إلى ما يصدر منهم من فتاوى.

د- الحد من الغلو والتطرف، والتساهل والانحلال.

هـ- تعرية المذاهب والشعارات الإلحادية والتكفيرية ونحوها.

و- استتباب الأمن في المجتمع المسلم، وحقن دماء المسلمين، وحفظ أموالهم وأعراضهم.
29- التأكيد على الفرق في الفتوى بين التيسير المنضبط بضوابط الشريعة، وبين التساهل غير المنضبط بتلك الضوابط، فالتيسير لا يقصد به التساهل، وإنما يقصد به الاعتدال وعدم إلحاق العنت بالسائل، وتقديم الأيسر على الأحوط في حال تساوي الدليلين.
30- الحذر من التساهل في الفتوى، سواء أكان عن طريق التساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام.، أم عن طريق التساهل بطلب الرخص وتأول الشبه.
31- ليس التيسير هو المقصد الوحيد الذي يراعيه المفتي بل يوجد مقصد آخر تجب مراعاته، وهو إخراج المكلف من اتباع هواه إلى طاعة مولاه.
32- من ضوابط التيسير في الفتوى:

أ- أن يكون وفق أصول الشريعة وأدلتها.

ب- أن لا يفضي إلى التحلل من التكاليف.

ج- أن يكون المقتضي للتيسير متحققاً من دفع مشقة عامة أو خاصة
. 33- لا يصير المفتي إلى التلفيق، أو القول المرجوح، ولا العمل بالرخصة الفقهية، إلا بعد تحقق شروطها.
34- يتغير الاجتهاد بتغير المناطات والمدارك، بحيث تحدث وقائع جديدة غير السابقة، فإذا تحقق المفتي من ضعف المدرك السابق أو زواله، أو ترجح غيره عليه لمصلحة معتبرة شرعاً وغير متوهمة، صح منه النظر في أمر تغيير الفتوى.
وعلى المفتي عدم النزوع إلى تغيير فتواه لأول سانحة من حاجة أو مصلحة غير معتبرة شرعاً، كما يجب عليه عدم البقاء على فتواه في كل حال، بل يسلك في ذلك طريق الراسخين في العلم ممن أخذ بالنصوص واجتهد في تنقيح مناط الحكم وتحقيقه.
35- تغيير الفتوى سواء أكان بسبب تغير الأعراف والعوائد، أم بسبب المصالح الطارئة المعتبرة، أم بسبب فساد الزمان وأهله، وما تقتضيه السياسة الشرعية، مشروط بعدم معارضة النصوص القطعية والكليات الشرعية، والمبادئ الأساسية، والمقاصد والغايات التي جنسها مراد لله ورسوله.

وقد اخطأ من ظن أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، على وفق ما تقتضيه مصالح موهومة، ولو أدى ذلك إلى مخالفة نص أو إجماع.
36- أهمية المجامع الفقهية، وسائر مؤسسات الفتوى، والاجتهاد الجماعي، عملاً بسنة النبي ، واستناداً لمنهج الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين.
37- القضايا التي تتعلق بمصالح الأمة، وتتصف بطابع العموم الذي يمس المجتمعات كافة، وتخرج عن القضايا الفردية إلى القضايا المتنوعة والعامة، تتطلب اجتهاداً جماعياً، يجمع بين فقهاء الشرع وخبراء العصر، قال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}(النساء : 83).
38- الاجتهاد الجماعي أقرب إلى الحق، وأدعى إلى القبول والاطمئنان من عامة المسلمين، وله أهمية بالغة لأسباب منها:

أ- أن مؤسساته وهيئاته تضم عدداً من الفقهاء المؤهلين وأهل الخبرة، فالفقهاء يعلمون النصوص ومدلولاتها ومقاصدها، والخبراء يعرفون الواقع ومآلاته، والحكم الشرعي مركب من العلم بالنصوص والعلم بالواقع.
ب- أن المناقشات في مؤسسات الاجتهاد الجماعي قد تبرز نقاطاً كانت خافية، وتجلي أموراً كانت غامضة، وتذكر بأمور كانت منسية.
ج- أن الاجتهاد الجماعي وسيلة لتنظيم الاجتهاد والفتوى، ومنع غير المختصين من الخوض في غير تخصصاتهم، وسد الباب أمام فوضى الفتاوى غير المنضبطة في وسائل الإعلام المختلفة.
د- تجنب ما قد يكون في الاجتهاد الفردي من قصور أو شذوذ، أو تأثر ببعض النزعات الخاصة.
هـ- تقريب وجهات النظر، وتقليل مساحات الخلاف بين المسلمين.
39- الفتاوى القائمة على الضرورات ينبغي أن تنضبط بضوابط، منها:

أ- أن تكون صادرة عن اجتهاد جماعي إذا كانت مما يتعلق بعموم الأمة، ولا ينفرد بها الآحاد، إلا أن تكون الضرورة مما لا يختلف فيها.

ب- أن يستعان في تقدير الضرورات والحاجات في الأمور المتخصصة ؛ كالطب والاقتصاد ونحوهما بأهل الاختصاص والخبرة. قال تعالى : {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(النحل : 43).
ج- الفتوى الخاصة المبنية على أساس الضرورة لا تعم جميع الأحوال والأزمان والأشخاص إذ إن الضرورة تقدر بقدرها، وهي حالة استثنائية تنتهي بمجرد انتهاء موجبها، ويجب السعي لإيجاد بديل عنها قدر المستطاع.
40- أهمية الاعتناء في الإفتاء للأقليات المسلمة بالقواعد الفقهية الميسرة بشروطها ؛ وذلك محافظة على سلامة حياتهم الدينية وتطلعاً إلى الإسهام في نشر الإسلام.
41- يتأكد على المفتي عبر وسائل الإعلام وخاصة البث المباشر أن يتصف بما يلي:

أ- القدرة على استحضار أحكام المسائل وشروطها وضوابطها وموانعها في حال الإفتاء.
ب- التنبه للمقاصد غير المشروعة لبعض السائلين، ولا يفتي بالظاهر الذي قد يتوصل به السائل إلى مقصوده غير المشروع، وتفادي الحديث عن مسائل تخدش الحياء، أو لا يحسن عرضها على الجمهور.
ج- معرفة مراد السائلين وأعرافهم وأحوالهم المؤثرة في الأحكام قدر الإمكان، وتنزيل الكلام على حال المستفتي. د- عدم الفتوى في المسائل القضائية التي تحتاج إلى سماع أقوال الأطراف الأخرى، وكذلك القضايا العامة التي تحتاج إلى نظر جماعي.
هـ- الظهور بالمظهر اللائق، والحرص على عدم الوقوع في المخالفات الشرعية في أثناء عرض البرنامج.
و- إذا كانت الفتوى خاصة بالمستفتي فينص على ذلك.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *