خواطر عابرة – الســلام عليكـم و”بـونـجــور”


لم يكن المغاربة كغيرهم من المسلمين في العالم إلى عهد قريب يعرفون تحية غير تحية الإسلام المبشرة بالسلام والأمن والطمأنينة >السلام عليكم< حتى أن الطلبة في أواسط القرن الماضي وضعوا منظومة للألفاظ الفرنسية ومقابلاتها بالعربية بما فيها التحية، فكان مما نظموه : “صَباحُ الخير عندهم “بونجور””.

والتحية المترجمة هي “صباح الخير” وليس “السلام عليكم” بمعنى أن التحيّة الإسلامية تبقى هي هي لا يمكن أن تترجم، فالمسلم لابد أن يلقي التحية بها كيفما كان لسانه.

لكن قومنا في عصرنا هذا يأبون إلا إقبار هذه التحية الإسلامية، واستعمال التحية باللفظ الأجنبي في الاستقبالات وفي التحيات العادية الخ..

> ترفع سماعة الهاتف، تتصل لعيادة طبيب تجيبك سيدة من الطرف الآخر بلغة باريزية أصيلة :

>Cabinet du Docteur tel….. Bonjour<  ومن المتصل؟؟ وكيف يتم الحديث بعد ذلك؟ هل بلغة أهل باريس، أم بلغة سكان الأحياء الشعبية الذين لا يربطون بين دلالة لفظ “كابينة” وبين ذكر اسم الدكتور معها.

> وتتصل بإدارة أخرى ولتكن مصلحة من مصالح اتصلات المغرب” صاحبة الشبكة الهاتفية، تطلب الرقم “115” بهدف إصلاح عطل بالارتباط بالشبكة الدولية للمعلومات، يجيبك المجيب الآلي، إن كنت تريد الحديث بالعربية اضغط على الرقم كذا.. تضغط على الرقم… بعد ذلك يجيبك شخص من الطرف الآخر مستهلا خطابه بكلام سريع لا تكاد تسمع منه في الأخير إلا كلمة “بونجور” وطبعا الكلام كله بالفرنسية. ماذا تقول أيها القارئ الكريم، أنت طلبت الحديث بالعربية، فإذا بك تصك مسامعك ألفاظ بالفرنسية. جرِّب واحتج على ذلك، فربما تسمع جوابا غريبا من قبيل الجواب الذي سمعتُه في مقام آخر، إنه المقام التالي :

> في سوق ممتاز، وفي صندوق الأداء، استقبلتني صاحبته بتحية “بونجور” قلت لها مستغربا “بونجور” ولم لا “السلام عليكم”، قالت لي هما سيان : قلت لها هما سيان في الترجمة، وليس في الاستعمال عند المغاربة الأُصلاء. ثم تابعت حديثي سائلا :

>هل يجبرونكم هم؟؟!! على استعمال لفظ “بونجور” بدل السلام عليكم، قالت : نعم هم يلزموننا أن نكون متأدبين مع الزبناء بتحيتهم في البداية بـ”بونجور”… بعد أن أتمت تمدّ المبلغ قالت لي “شكراً”، وكأنها رأتْ أنّ هذه اللفظة بالعربية لا تفي بالمراد، فأردفتها بكلمة “مِرْسِي” (merci).

> تذهب إلى متجر ملابس عصري، فيحدثك صاحبُه الشاب أو صاحبته الشابة -بعد أن تضع يدك على شيء ما- قائلا : هذا فيه ألوان، فيه الـ(Blanc) وفيه الـ(Noir) وفيه الـ(Bleu) وفيه وفيه. وكأن في لغتنا ليس فيه أزرق ولا أبيض ولا أسود.

> حتى بائعوا الملابس التقليدية في الأحياء الشعبية يكتبون لافتات غريبة تستحق أن تُدرس دراسة سيميائية : من قبيل (cafton)، (jallaber)، (charbille) الخ..

من سيقرأ هذه الكلمات بهذه الأخطاء، ثم من سيشتري من هذه الدكاكين التي لا يمر بها أجنبي إلا إذا كان ضالّ طريق، وحتى إن قدر له أن يمرّ من هناك أكيد أنه سيبكي على ما أصاب لغة بودلير في هذا البلد الذي يريد أن نقلده في كل شيء حتى في ما هو تقليدي عنده.

> حتى بعض أصحاب الوكالات العقارية الذين كانوا يكتبون على أبواب محلاتهم “سمسار” أصبحنا لا نجد على أبواب محلاتهم إلا ألفاظ فرنسية جذابة من قبيل >Le Bontoit< >La belle maison< الخ، وكأنهم يريدون ألا يكونوا سماسرة للعقار وإنما لعقول البشر.

إن أغرب ما يستغربه الزائر الغربي وليس العربي -لأن العرب والحمد لله يصفونـنا بأننا نتحدث الفرنسية ولا نتحدث العربية- هو أن يجد اللآفتات كلها مكتوبة بالفرنسية ولا وجود للغة الوطن على الإطلاق.

د. عبد الرحيم بلحاج

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *