حتى لا تـغـرق السفينة


ب- الــمـسـتـوى الـعـلائـقـي:

تكشف قراءة الحديث النبوي الشريف فيما تكشف عنه من أبعاد، عن البعد العلائقي الذي يؤطر سفينة المجتمع، ويحكم طبيعة جريانها، ذلك البعد الذي ينبني على نوعية المواقع التي يشغلها أفراد السفينة-المجتمع، أوالمجتمع-السفينة، من حيث هي مواقع يترجم تنوعها وتباينها، عن تكامل في الوظائف والأدوار، التي تحمل في نشأتها وتجليها، شبها باستهام ركاب سفينة البحر على مواقع السفينة، وما تتألف منه من طوابق ومستويات.

ومقابل الاستهام بين أفراد سفينة البحر على مستوى سفينة المجتمع، هوما يجد كل واحد من الأفراد أوالجماعات نفسه مؤهلا له أومنتدبا إليه من مهام وأدوار، بمقتضى أقدارهم، دون أن ندخل في الحديث عن الملابسات التي اكتنفت وجود هؤلاء في مواقعهم تلك لا في غيرها، وعما إذا كانوا أهلا لأفضل منها، في حالة ما إذا لابستهم ظروف مغايرة للعيش، وواتتهم فرص أوفر لإبراز طاقات مذخورة لم تبرز، واستخراج مواهب مكنونة بقيت محبوسة قيد الإمكان، فتلك مسألة أخرى لسنا بصدد بسط الكلام فيها، لأن عدم القيام بذلك لا يؤثر في نتائج تحليل الموضوع المستهدف بذلك.
إن طبيعة هذا المستوى العلائقي تفرض التعامل الواعي والبناء بين أفراد سفينة المجتمع، بحيث يكون كل واحد في مستوى الإدراك العميق لما يمكن أن ينجم عن أي تصرف ناشز من مضاعفات، ومن اختلال للوضع العام لجريان سفينة المجتمع، لأن ذلك التمثل يعتبر وجها من وجوه الخرق لتلك السفينة، وبقدر ما تتعدد الخروق وتتكاثر وتتنوع، يمثل ذلك صنعا لعوامل الغرق ومقدمات لواقعة الهلاك المحقق.
إن حديث السفينة يكشف عن مدخلين أساسيين لما يمكن أن ينفذ منه الشر المستطير لركاب السفينة، يتعلق أحدهما بالذين في أعلاها ويتعلق الثاني بمن هم في أسفلها.
أما الذين في أعلاها فيكونون سببا لما يمكن أن يحدث للسفينة من خروق أوثقوب، ليس فقط في الحالة التي يغضون فيها الطرف عن التصرفات الهوجاء التي يمكن أن يقدم عليها من هم في أسفل السفينة، أويبدر منهم ما يشي بنزوعهم إلى الإقدام عليها، بل وحتى في حالة صدور موقف منهم يتخذه الأسفلون ذريعة لارتكاب أي حماقة تعرض السفينة للخطر.

ولفظة: >يتركوهم< في الحديث، تؤدي كلا المعنيين بلا ريب، ويؤكد المعنى الثاني ما ورد من زيادة في رواية الترمذي وأحمد: >فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا<، ويزيده تأكيدا ما ورد في رواية للإمام أحمد: ” فثقل ذلك على الأسفلين” .ويعزز دلالة هذه العبارة الأخيرة ما ورد في رواية أخرى للإمام البخاري: >فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك؟ فقال تأذيتم بي ولا بد لي من ماء<.
وأما الذين في أسفلها، فخرقهم المحتمل للسفينة، يتمثل كما سبقت الإشارة في نزوعهم القوي نحوإحداث ذلك الخرق، الذي لا يشفع لهم فيه البتة ما يمكن أن يبرروا به فعلهم من ذرائع أوحجج داحضة، لأنها ظاهرة الفساد والبطلان، ولا يمكن لصلاحها الظاهري السطحي، أن يخفي ما تحمله من أوخم العواقب للسفينة وركابها، ولا أن تنال قبولا أوتحظى بقيمة في ميزان العقل.فضرورة الحصول على الماء، التي تحجج بها الذين في أسفل السفينة لا بد أن تتحقق وتلبى بالطرق المأمونة والسليمة، والتي تقتضي في بعض الملابسات والظروف، أن تستصحب معها هامشا من الأذى الذي يعتبر من لوازم اطراد السير، في سبيل تحقيق النفع العام، والمصلحة العليا لركاب السفينة أجمعين.

ينطبق هذا على سفينة البحر وسفينة المجتمع، سواء بسواء، من حيث المبدأ، وإلا فإن سفينة المجتمع على قدر كبير من التعقيد، يترتب عنه صعوبة الرصد والمراقبة، وصعوبة متابعة الأفراد الذين يتقاسمون مواقعها ومصالحها.

وهذا لا يمنع من القول: إن التشابه بين السفينتين قائم على وجه التمام، من حيث ما يترتب على ما يحدث في كل منهما من خروق، مع فارق في المدى الذي تستغرقه عملية الغرق والرسوب إلى قاع اليم.
وهناك مدخل ثالث للشر والأخطار التي تحدق بالسفينة، سواء في بعدها الحسي، أوفي بعدها المعنوي، ينضاف إلى المدخلين السابقين: إنه مدخل المداهنة الذي يتسلل من خلاله المداهنون إلى حمى السفينة، متلفعين برداء المكر السيء، الذي يتجلى إما عبر الدفاع عن حق وهمي، يزعمونه للذين كانوا أسفل السفينة من نصيبهم، حقهم في أن يفعلوا في ذلك النصيب ما يحلولهم ويطيب، ولا شأن لهم بالآخرين، أوللآخرين بهم، وإما أن يدعموا مقولتهم الزائفة التي مفادها أن اتجاههم إلى خرق “نصيبهم” إنما كان بسبب ما نالهم من أذى. وقد يتجلى ذلك المكر في الإنحاء باللائمة فيما يمكن أن يحصل من خرق، على من كان أعلى السفينة نصيبهم، بسبب تبرمهم من بعض الحرج الذي يحصل لهم نتيجة مرور المقيمين أسفل السفينة عليهم، عند استقائهم من الماء.
ب1– سفينة المجتمع وإشكالية الحرية:
خلاصة الأمر في هذا المستوى العلائقي، أن جوهر المشكلة إنما يتجلى في النظر المغلوط إلى حدود تصرف الإنسان، باعتبارها حدودا مترامية الأطراف، وأنها قابلة للتمدد إلى ما لانهاية، وهوتصور في غاية القصور والخبال، لأنه يناقض سنن الوجود التي تقضي بأن ما هومخلوق من قوة متعالية تتصف بإطلاق المشيئة والإرادة، لايمكن إلا أن يتحرك في مجال محدود تضبط حدوده تلك القوة القاهرة بموجب كونها خالقة، مصداقا لقوله تعالى: {ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين}(الأعراف:54)، إنها بعبارة موجزة مشكلة الحرية الإنسانية التي سال حولها مداد كثير، وتراكم بسبب الخوض فيها أكوام من الكتب والمجلدات.

ولن تحل أبدا بإطلاق الحبل على الغارب بهرطقات ممجوجة من قبيل ما عبر عنه الأسفلون أوالمداهنون، فضلا عما يمكن أن يقع من انسياق مع هؤلاء العابثين، بدافع اللآمبالاة، تحت تبريرات مرفوضة عقلا وشرعا.

وإنما الذي يحل تلك المشكلة الكبرى، ويخلص الحضارة الإنسانية من عواقب التعامل الفج معها، هوالتصور الحق للحرية الذي يقوم على أساس الربانية والشمول والتوازن، إذ أن الربانية ضمان لعدم التسيب والشرود، والبعد عن الصواب، والشمول ضامن لأخذ مجموع العناصر والمكونات بعين الاعتبار، فلا يمكن لبعضها بالجور والطغيان على البعض الآخر، والتوازن كفيل بتجنب الإفراط والتفريط. إن الأخذ على الأيدي، وفقا لما ورد في نص الحديث لفظا ومعنى، هوالحل الأمثل لإنقاذ سفينة المجتمع، وتجنيبها غوائل التسيب والفوضى التي تؤدي بأهلها حتما إلى الغرق، أوإلى التشرد والبوار.

والأخذ على الأيدي هوفي محصلة الأمر أخذ بالأيدي، إلى بر النجاة والأمان، بدليل قول الحديث: >وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا<، وهذا وجه عظيم من وجوه الرحمة التي جاء الإسلام بمنهجه القويم ليغمر بها الإنسانية على وجه العموم، والمسلمة منها على وجه الخصوص والاصطفاء، بفضل احترامهم لأحكام السفينة، والتزامهم بقوانين السلامة المفروضة فيها.

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *