الـمقاومة الفلسطينية للمشـروع الصهيوني


على مـدار قرن (1897م – 2000م)
المرحلة السادسة (1964-1993) من المقاومة المسلحة إلى التسوية السلمية

تتسم هذه المرحلة بالكثير من التطورات في ميدان الصراع العربي- الصهيوني، وكان من أبرز هذه التطورات:
1 – احتدام الحروب العربية – الصهيونية (1967، 1973، 1982)، وقد حوَّلت هذه الحروب الصراع إلى صراع عربي – صهيوني سواءً من حيث الجيوش المشاركة، أم ميادين القتال، وكان من نتيجة هذه الحروب الثلاثة أن احتُلَّت سيناء والجولان والضفة الغربية سنة 1967م، وجنوب لبنان سنة 1982م، وتحول الثقل الأساسي للمفاوضات إلى بحث العلاقات الصهيونية – العربية، وقاد ذلك إلى اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979م، ومفاوضات مدريد سنة 1991م، واتفاق واشنطن واتفاقية السلام الأردنية – الصهيونية سنة 1994م.
2 – قيام “م.ت.ف” والمقاومة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة وخارجها، والمعارك التي خاضها الشعب الفلسطيني على كل الصعد السياسية والعسكرية والثقافية، وكان من أهم ما أنتجته هذه المرحلة على الصعيد العربي عامة – والفلسطيني خاصة – اتجاه التسوية السلمية مع العدو الصهيوني.
3 – حدوث تطورات دولية كبيرة؛ من انهيار الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية، إلى حرب الخليج (1990-1991)، ومن تفرد حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة الدولية، إلى انفجار الصراعات الإثنية والطائفية والاجتماعية في بلدان العالم الثالث.
وتعتبر هذه المرحلة أغنى المراحل في مقاومة العدو الصهيوني، سواء كان ذلك عبر الدور العربي في الصراع العربي – الصهيوني، أم عبر المقاومة الفلسطينية.
تشكيل “فتح” وقيام المنظمة
وتبدأ هذه المرحلة بحدثين بارزين: أولهما: إعلان قيام “م.ت.ف” سنة 1964م، وثانيهما: إعلان حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” بدء المقاومة المسلحة مع مطلع عام 1965م.
ولقد أنشئت المنظمة بقرار رسمي عربي في الجامعة العربية سنة 1963م، إلا أن هذا الحدث جاء نتيجة تزايد الشعور العربي بضرورة إبراز عمل فلسطيني سياسي، وتزايد شعور الفلسطينيين بأن عليهم أن يلعبوا دورًا أكبر، إن لم يكن الدور الأول في الدفاع عن قضيتهم.
ورغم الحذر الفلسطيني من الأنظمة العربية، فإن قرار إنشاء المنظمة تم تلَقِّيه بترحاب شعبي واسع رغم معارضة فئات صغيرة، وربما كان دور عبد الناصر في عملية الإنشاء سببًا من أسباب القبول بها شعبيًّا. أما على صعيد القيادات التقليدية وشبه التقليدية الفلسطينية، فكان يهمها أن تكون جزءاً من العملية السياسية العربية ؛ لأنها لم تكن تطمح -وما زالت لا تطمح – بدور مستقل.
أما إعلان “فتح” بيانها الأول، فقد لقي صدى أعمق في أوساط المثقفين عامة والمسيسين خاصة، وفي أوساط الشعب العادي؛ لأن الشعب يؤمن أن طريق المقاومة المسلحة هو طريق فلسطين، وزاد من هذه القناعة أن الأنظمة التقليدية سقطت في مصر وسوريا والعراق، وهي الأقطار العربية الأساسية، ورغم ذلك فإن المواطنين لم يروا جديدًا على صعيد فلسطين، فلا الوحدة تحققت لتكون طريق التحرير، ووحدة مصر وسوريا سنة 1958م انقسمت سنة 1961م، والخلافات في الحركة القومية وبين القوميين والشيوعيين محتدمة، ثم إن الجزائر تحررت بالحرب الشعبية.. وكان هذا كله يدفع باتجاه تحرير فلسطين إلى المقاومة المسلحة.
وقاد قرار “فتح” إلى أمرين؛ الأول تحفيز الجماهير في فلسطين والأقطار العربية للقتال، والثاني اتجاه القوى المختلفة إلى إنشاء فصائل فلسطينية مسلحة. وقد جاءت حرب حزيران والهزيمة فيها؛ لتؤكد ضرورة المقاومة المسلحة، ولتجعل هذه المقاومة الشغل الشاغل للجميع في فلسطين وسائر الوطن العربي.
كان التحرير الكامل هو الهدف المعلن، والمقاومة المسلحة هي الأسلوب الوحيد، وطرحت المقاومة المسلحة بديلاً للحرب النظامية، ونقيضًا للحل السياسي وترافق مع ظهور المقاومة المسلحة، وخاصة بعد 1967م؛ نشاط سياسي وشعبي واسع، وأخذت تنبثق فعاليات سياسية وشعبية في كل الميادين.
وكانت اللجنة التنفيذية للمنظمة قد بدأت منذ 1946م بإنشاء جيشها ومكاتب إعلامها وثقافتها وعلاقاتها السياسية ومنظماتها الشعبية ومراكزها للتخطيط والصندوق القومي والتعليم، وما لبثت الفصائل أن اتبعتها في ذلك.
وبدا منذ 1965م حتى 1970م أن المقاومة المسلحة هي محور كل النشاطات، ولكن الأمور بدت تتكشف بعد 1970م على أن هناك برنامج اتصالات سياسية يستهدف الحل السياسي، وأن هذا الخط تم الاتفاق عليه قبل أن يُبْعَد أحمد الشقيري من رئاسة المنظمة ليعهد بها إلى ياسر عرفات(1). وحين انتقلت قيادة المنظمة إلى ياسر عرفات سنة 1968م؛ اندمجت “فتح” والفصائل بالمنظمة، وصارت المنظمة هي الإطار الأوسع لكل الفصائل.
إشكاليات فصائل المقاومة المسلحة
انتشرت قواعد المقاتلين بين 1967م و1970م، حول الكيان الصهيوني في الأردن وسوريا ولبنان، وكانت في هذا الوقت تنمو داخل الأرض المحتلة كلها، وخاصة في الضفة الغربية وغزة؛ حتى تحققت سيطرة شبه تامة على غزة خلال 1970م والنصف الأول من 1971م. وكانت هذه القوات المنتسبة لكل الفصائل تتبع “م.ت.ف” اسميًّا، إلا أن هذا واجه ثلاث إشكاليات:
الأولى- عجز القيادة العليا، سواء اللجنة التنفيذية أم المجلس العسكري الأعلى، عن تحقيق توحيد حقيقي في القيادة والتخطيط والبرامج؛ لعوامل ذاتية تتعلق بالقيادة، ولعوامل موضوعية تتعلق بساحات العمليات والتداخل مع الأنظمة. إلخ، ولكن العامل الرئيسي كان عجز القيادة وقصور تشكيلاتها ومراتبها.
الثانية – ميل الفصائل إلى الاستفادة من إمكانيات المنظمة وحمايتها السياسية، والتفرد بالقرار والعمل لاختلاف السياسات ولذاتية القيادات ولقصور الوعي، وعدم الالتزام بأسس العمل العسكري النظامي أو الشعبي.
الثالثة – اختلاف هذا الفصيل أو ذاك مع قيادة المنظمة؛ لأن قيادة المنظمة كانت تتبع سياسة محاور؛ ولأن مصالح قيادات الفصائل أو علاقاتها أو خلافاتها السياسية، كانت تدفعها إلى الخروج عن أطر المنظمة.
ولذلك كله عجزت المقاومة المسلحة عن أن تتحد أو تطور قدراتها وتستفيد من الإمكانيات البشرية والمادية الكبيرة التي أُتيحت لها، وظلت أبعد ما تكون عن النظامية سواء من منظور العسكرية التقليدية أم الشعبية، كما ظلت منذ نشأت وحتى الآن، وكأنها نشأت لتوها؛ ولذلك لم تتجاوز العملية البطولية الفردية وعمليات الكمائن المحدودة داخل الأرض المحتلة، أما خارج الأرض المحتلة فإنها لم تتسم بالقدرة على عمليات ميدانية واسعة، وكانت عمليات الدفاع أو الهجوم مجرد حشد قوي دون أية ضوابط للقيادة، ولا تخطيط عسكري، ولا أوامر عمليات، ولا انضباط في حدوده الدنيا، ما عدا الانضباط التطوعي.
وقد حرم هذا كله المقاومة من أن تستثمر قواها استثمارًا أوسع وأقوى وأكثر فعالية ضد العدو، والتحكم بظروف وجودها في الأرض العربية المحيطة بفلسطين، وكان هذا الخلل الذي عرفته المقاومة في بنيتها العسكرية متغلغلاً في كل أجهزتها السياسية والمدنية والشعبية، وفي كل مراتبها من أعلى الهرم القيادي إلى أسفل؛ ولذلك كانت فعاليتها السياسية والنقابية والشعبية محدودة قياسًا بما كانت تستطيع فعله لو كان بنيانها أنقى وأسلم وأكثر تنظيمًا وأكثر ارتباطًا بالقضية.
وأدى ترهل واحتشاء جسم المنظمة بقوى غير نضالية إلى الاتجاه إلى التسوية السياسية الذي كان كامنًا فيها منذ البدء، والذي أخذ ينمو منذ 1968م؛ ليعلن عن نفسه بعد أيلول/سبتمبر 1970م، وليصبح اتجاهًا رئيسيًّا بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973م، وليقود المنظمة بعد ذلك.
ورغم ذلك، فإن اتجاه المقاومة المسلحة وإعلان برنامج التحرير؛ استطاع أن يطلق طاقات الشعب داخل فلسطين وخارجها، وقد دفع جماهير من أبناء شعبنا إلى العمل السياسي والشعبي والعسكري، وولد الروح النضالية التي عرفناها في كل المعارك والمواجهات منذ 1965م وحتى الآن، وهذا التيار سيظل متدفقًا رغم اتجاه قيادة “م.ت.ف” إلى إنجاز اتفاق أوسلو وتسليمها بمطالب العدو.
الأولويات بين السياسة والعمل المسلح
نستطيع أن نرى في هذه المرحلة تطورات واضحة من حيث الأولويات السياسية والعسكرية، فما بين 1965-1970 كان التشديد على المقاومة المسلحة هو الأساس، وكان العمل يستهدف بناء فصائل مقاتلة، ودمج المنظمة بالفصائل، وخلق هياكل سياسية وعسكرية ونقابية تضمن ارتباط الشعب الفلسطيني بقيادته. ومنذ نهاية 1970م وحتى أوائل 1973م؛ بدأت أطروحات التسوية السياسية – التي كانت محرمة سابقًا- تطفو على السطح وتتغلغل في أجهزة المنظمة والفصائل، وما لبثت أحاديث التسوية أن انطلقت في مشروع الحل المرحلي الذي طرحته الجبهة الديمقراطية بحماية قيادة عرفات.
وشهدت هذه المرحلة بداية ما سمي بـ”التجييش” وبناء الأجهزة الأمنية وضرب الحركة الشعبية التي وجهت لها ضربة قوية أيلول/سبتمبر 1970م. ومنذ اجتماع المجلس الوطني الثاني عشر في صيف 1974م؛ صار حديث التسوية رسميًّا، وبدأ التغلغل الواسع لأطروحات التسوية ورجالها في بنية المنظمة وبعض الفصائل. وما لبث اتجاه التسوية أن أصبح الاتجاه الرئيسي في القيادة سنة 1977-1978، وعبر معارك خاضها رئيس المنظمة استخدم في بعضها السلاح، وجاء الخروج من لبنان سنة 1982م؛ ليكرس دور قيادة المنظمة في عملية التسوية التي أدت إلى أوسلو سنة 1993م.
وكانت المقاومة المسلحة تتضاءل ما بين 1982-1987، بينما كان العمل الدبلوماسي يتحول إلى العمل الرئيسي، وأهملت كل أشكال العمل السياسي والشعبي والنقابي.
وفي هذا الوقت الذي كان فيه خط التنازل يطغى على كل ما عداه، ودوائر المنظمة وأجهزة وبنى الفصائل تترهل؛ برزت ظاهرتان جديدتان: الأولى انفجار الانتفاضة في 8/12/1987م، واندفاع العمل الشعبي في الداخل إلى المقدمة؛ ليجدد شباب المقاومة وكل فعالياتها. الثانية: انتقال حركة المقاومة الإسلامية حماس من التعبئة إلى العمل.
وقد سارعت قيادة المنظمة وقيادات الفصائل إلى إحكام الطوق حول الانتفاضة، وإخضاعها لبرنامج المنظمة الرسمية شيئًا فشيئًا، أما حركة المقاومة الإسلامية فإنها ما تزال مستمرة في عملها السياسي والعسكري؛ لتصبح فصيل المقاومة المسلحة الأول، وليصبح دور الفصائل المؤسسة والمشاركة في قيادة “م.ت.ف” ثانويًّا جدًّا، ولتبرز إلى جانب “حماس”؛ حركة الجهاد الإسلامي.
> مجلة قضايا دولية ع 261

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *