الـمقاومة الفلسطينية للمشـروع الصهيوني على مـدار قرن


(1897م – 2000م) المرحلة الأخيرة 1994- 2000
قامت هذه المرحلة على أمرين، الأول: المفاوضة بدلاً من المقاومة، والثاني: التفاهم مع العدو بدلاً من الصراع معه، واكتساب مواقع بدلاً من تنظيم معارك.
دوافع القيادة الفلسطينية
يعود السبب في هذا الانتقال إلى أن قيادات فتح المنظمة التي بدأت من برنامج التحرير اعتقدت أن أمامها بعد مدريد أن تسير في برنامج سلام خاص، أو أن تخرج نهائيًّا من الساحة لأن الحكومات العربية أخذت تفاوض، ولما كانت حكومة مصر قد وصلت إلى اتفاق مع العدو الصهيوني في كامب ديفيد، وحكومة الأردن في وادي عربة، وكان العدو يلوح بالخروج من لبنان بلا قيد ولا شرط، وكانت لدى الحكومة السورية أوراق تستخدمها، فإن القيادة الفلسطينية الرسمية قد خشيت أن تظل خارج إطار السلام، فتخرج “من المولد بلا حمص” كما يقول السيد عرفات؛ ولذلك هرعت قيادة عرفات إلى ميدان المفاوضات ولكن من موقع الضعف، ومن موقع من يريد أن يبقى طرفًا مهما كانت النتائج.
وكان ما يخيف هذه القيادة أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي قد بدأتا تبرزان كقوة استشهادية وهو مما يجعلهما بديلاً سياسيًّا، يحسب له حساب، وتلتف حوله الجماهير والقوى، وتراهن عليه الحكومات العربية والقوى الدولية، وقد تصبحان -أي حماس والجهاد الإسلامي- مركز استقطاب لتوحيد قوى المقاومة الفلسطينية المعارضة في دمشق وفي كل مكان للاتحاد وبناء م.ت.ف من جديد.
إن هذا كله جعل قيادة المنظمة الرسمية تحاول أن تسابق على الاحتفاظ بموقعها من خلال تحولها إلى طرف رسمي دولي يؤمِّن للشعب بعض المكاسب.
التـحـول مـن قــيـادة الـمقـاومـة إلى قمع الـمـقـاومـة:
انقلب دور قيادة فتح- المنظمة من قيادة القتال من أجل التحرير، إلى سلطة فلسطينية وظيفتها الأساسية التفاوض والعمل لمنع الفلسطينيين من القتال ضد العدو. ولقد نجحت قيادة المنظمة الرسمية في استبدال دورها والتحول إلى قوة تمارس تصفية القضية، وتحارب قوى التحرير لتفتح للعدو مجالات اقتحام الوضع العربي واختراق الشعب الفلسطيني. ولم يقتصر دور القيادة على إلقاء السلاح، ولكن إلقاء الوثائق التي يستند إليها الكفاح المسلح (الميثاق الوطني أساسًا)، وأخذت تنشر دعاوى استسلامية باسم المفاوضات والدولة إلخ.
الـــمـــأزق
تقف المقاومة المسلحة والحركة السياسية الفلسطينية أمام مأزق في الداخل والخارج، ففي الداخل تقف شرطة السلطة الفلسطينية في مواجهة مع قوى المقاومة المسلحة والسياسية إلى جانب العدو الصهيوني، وقد استطاعت السلطة الفلسطينية أن تجر معها أجزاء أساسية من حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، وقِسْمًا من الجبهة الديمقراطية، وأن توحد معها ووراءها كل السائرين على خط التسوية الصهيوني، وفي الخارج تخضع فصائل المقاومة إلى عاملين آخرين: الأول الترهل الذي أصابها منذ 1982م نتيجة عدم تجديد شبابها، والابتعاد عن ميادين القتال، وعدم المشاركة الجدية في العمل السياسي والشعبي، والثاني إجراءات الأنظمة العربية في دول الطوق، والاتجاه نحو التسوية السياسية الذي أصبح السياسة الرئيسية في هذه الدول ، سواء وقعت اتفاقيات مع العدو الصهيوني أم لم توقع.
وهذا المأزق يتفاقم الآن؛ لأن قوى الداخل يهددها العدو الصهيوني بإجراءاته
القمعية الجديدة، كما يتهددها دور السلطة الفلسطينية، وإجراءات السلام العربية. أما قوى الخارج فإنها تعاني إشكالات ترهلها وعدم قدرتها على التجدد، وعدم البحث عن أساليب جديدة لمرحلة ما بعد الاتفاقات مع العدو الصهيوني.
خــاتــمــة
لقد تحكمت بالمقاومة الفلسطينية في كل مراحلها العوامل التالية:
أولاً – قيادات غير مؤهلة سياسيًّا وعسكريًّا لرسم سياسات وبناء جيوش وإعداد خطط سياسية وعسكرية، وكما عجزت قيادات المنظمة، كذلك عجزت قيادات الفصائل، بغض النظر عن الوطنية والشجاعة لدى بعضها والفروق في الكفاية النسبية بين شخص وآخر.
ثانيًا – أوضاع عربية كانت تقدم المال والمدد البشري والأسلحة من جهة، ولكنها في الوقت ذاته كانت تفرض التنافر العربي والشقاق العربي والعجز العربي، وكان خضوع معظم الأنظمة العربية للسياسات الأجنبية يفرض على وضع القضية الفلسطينية ظروفًا قاسية.
ثالثًا – اتجاه كل القيادات الفلسطينية السائدة والمؤثرة إلى الحلول السياسية دون بناء القوى السياسية والعسكرية الكافية، حتى لفرض حلول سياسية، ورغم تبني قيادة عرفات اتجاه التحرير (1965- 1970)، فإنها ما لبثت أن تحولت إلى الاتجاه الآخر علنًا منذ 1971م.
رابعًا – انخفاض مستوى المشاركة الشعبية الفلسطينية في الجهود السياسية والعسكرية قياسًا لما تتطلبه المعركة، وانخفاض مستوى مشاركة الجماهير العربية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *