هرتزل والدولة اليهودية


ذ. عبدالسلام نوير
باحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية و الجنائية – القاهرة

يعد هرتزل هو المؤسس الحقيقي للصهيونية السياسية الحديثة رغم أن المتابع لسيرته يدرك أن ثقافته العبرية كانت ضعيفة للغاية، ويتبين  عدم اكتراثه بالتقاليد اليهودية، بل لقد أعلن في عدة مناسبات ميله للتنصر والاندماج في المجمعات الأوروبية، وأن إقامته في باريس كانت بمثابة نقطة التحول حيث اتجه للتعرف على شتى جوانب “المسألة اليهودية” لاسيما وأن فرنسا كانت أنذاك مسرحاً لفضيحة قناة بنما وقضية دريفوس، حيث بلغت موجة العداء للسامية ذروتها؛ مما دفع هرتزل للدخول في ساحة العمل الصهيوني بادئاً بذلك مرحلة جديدة في حياته(22). وقد أدى صدور كراس هرتزل عن الدولة اليهودية عام 1896 إلى استقطاب الجماعات اليهودية في العالم واستثارة التعبئة بينها(23).

يتحدث هرتزل في يومياته عن الشعب اليهودي، وحيث يتطرق إلى مسألة الأمة يقول “إن أمة يهودية هي حاجة عالمية.. إن العالم يحتاج إلى أمة يهودية، لذلك يجب أن تكون بمساعدتكم أيها السادة (يقصد البرجوازية اليهودية) أو بدون مساعدتكم”. ويطرح هرتزل الأساس الطائفي الديني كمنطلق لتأسيس “الأمة اليهودية”، ويدعو الدول الكبرى إلى أن تسهم في تحقيق ذلك لأنه من المستحيل “عند اليهود أن يكتسب إنسان ما شيئاً بدافع إيمانه فحسب”، لهذا فإن في هاجسه مسألتين : حل مشكلة اليهود بطريق غير إصلاحي، وخدمة السياسات الاستعمارية انطلاقا من أن تحقيق المسألة الأولى مرتبط أوثق الارتباط بالمسألة الثانية؛ مما يجعله يرفض الحلول التي كانت مطروحة في ذلك الوقت وهي “عشرون ألفاً في الأرجنتين، أو اعتناق اليهود للاشتراكية”، ويعتبرها حلولاً تافهة، أما حله فيقوم على أساس أن يعطى ليهود الأمم كلها “زاوية في العالم يعيشون فيها بسلام دون ملاحقة أو احتقار أو نبذ”.

وفي هذا السياق طرح قضية “أرض الميعاد” معتبراً أن تصدير اليهود الفقراء إلى الأرجنتين أو إلى الدول الأخرى بالطريقة التي كانت سائدة سوف يخلق “أسواقاً جديدة للاسامية” إذ “أينما يذهب اليهود يجدون أنفسهم يعيشون نفس المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية”، ومن ثم فهناك حاجة إلى أرض الميعاد حيث إن “كل البلدان الأخرى تجذب فقط أبناء اليهودية الضالين، أما أرض الميعاد أرض أجدادهم تناديهم جميعاً، وهنا يولّد “الإيمان” عوامل تكوين الأمة : الشعب والأرض، وتبقى إرادة الدول الكبرى العامل الأخير في تكوين اليهودية”. هذا ما سعى هرتزل من أجل تحقيقه، وهو الجهد الذي بذله خلال السنوات منذ 1895 إلى 1904(24).

كان نفوذ هرتزل مع حلول عام 1897 قد دشن مرحلة جديدة في الصهيونية، فبعد أن كانت حركة شرق أوروبية، أصبحت الصهيونية تضم اليهود الشرقيين والغربيين الذين اعتنقوا آراء هرتزل بالإضافة إلى المستوطنين في فلسطين وضمن نطاق هذا الدمج حبذ “العماليون” و”السياسيون” التدخل الدبلوماسي المباشر لدى السلطان بقصد الحصول على اتفاق صريح يتسنى بموجبه قيام استعمار يهودي لفلسطين على نطاق واسع ويتمتع باستقلال ذاتي، على أن التوفيق بين هذين الجناحين تم في النهاية تحت زعامة حاييم وايزمان(25).

إن السنوات التي قضاها هرتزل منذ مؤتمر “بال” (بازل) 1897 إلى سنة 1904 -السنة التي مات فيها- هي سنوات العمل من أجل أن تتبنى الدول الاستعمارية المشروع الصهيوني، لأنه كان يرى أن هذا الطريق هو الطريق الوحيد لنجاحه، لهذا فقد حارب فكرة تسرب اليهود إلى فلسطين لأنه “سوف يزيد ثمن الأرض ويصعب علينا فيما بعد شراؤها. وفكرة إعلان الاستقلال -حالما نصبح أقوياء هناك- فكرة غير عملية، لأن الدول الكبرى لن تعترف به حتى ولو ضعف الباب العالي. أما مخططي فيقوم على وقف التسرب وحصر كل القوى لنملك فلسطين ضمن القانون الدولي، وهذا يتطلب مفاوضات دبلوماسية وقد بدأتها منذ مدة، كما يتطلب حملة دعائية واسعة النطاق”(26).

كان هذا في الواقع تأكيداً على مقررات مؤتمر بال 1897 بواسطة المنظمة الصهيونية العالمية، والذي صاغ البرنامج الصهيوني على النحو التالي : “تسعى الصهيونية إلى بناء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يَضمنه القانون العام الدولي، ويرى المؤتمر استخدام الأساليب الآتية لتحقيق ذلك :

– تنمية استعمار فلسطين بالعمال  الزراعيين والصناعيين.

– تنظيم وتلاحم اليهودية كلها بالمؤسسات الملائمة على الصعيدين المحلي والدولي حسب قوانين كل قطر.

– تقوية وتنمية الوعي ومشاعر القومية اليهودية.

– اتخاذ إجراءات تمهيدية للحصول على الموافقة الدولية حيث إنها ضرورية لتحقيق أهداف الصهيونية.

ويتضح من هذا أن التأكيد كان على أمرين أولهما العمل على إقامة الوطن القومي أو الدولة اليهودية على نسق الاستيطان الاستعماري، وثانيهما الحصول على الموافقة الدولية حيث  إنها ضرورية لتحقيق أهداف الصهيونية. ومن ثم كانت السنوات القليلة التي قضاها هرتزل منذ ذلك المؤتمر وحتى وفاته؛ سلسلة من المحاولات في هذا السبيل(27).

اعتقد هرتزل في البداية أن ألمانيا هي المؤهلة لحماية المشروع الصهيوني، فركز اعتماده الأكبر عليها وتحديداً على القيصر، فذكر أنه منذ حظي بالاتصال بإمبراطور ألمانيا وهو يفكر بسبب ميوله الثقافية و كونه أديباً ألمانيا بأنه “يجب أن نجتهد أكثر حتى نحصل على حماية الإمبراطورية الألمانية والقانون الألماني”. ويحدد أسباب كل ذلك، سواء الأسباب التي تجعل ألمانيا تدعم مشروعه، أو الأسباب التي تجعله يرجح ألمانيا على إنجلترا -عدا الميول الثقافية كما طرحها في فقرات مختلفة من يومياته- فيقول “هناك ميل في سياسة ألمانيا للتوصل إلى موطئ قدم في الشرق، وهناك اهتمام صاحب الجلالة القيصر بأرض أجدادنا اهتماماً دينياً وسياسياً، وأخيراً الحقيقة القائمة وهي تأثير ألمانيا على تركيا الذي أصبح غالباً. ومن ثم اعتقد أن محور “ألمانيا -روسيا -تركيا” هو المؤهل لتبني الفكرة الصهيونية.

وقد نبع اهتمام هرتزل بروسيا من أمرين فهي أولاً (أي روسيا) تحوي قوى هامة من اليهود “الشحاذين والفقراء وصغار الباعة” -حسب تعبيره- الذين يعانون من الاضطهاد والذين ينحازون نحو الأحزاب الثورية، وهي ثانياً قادرة على التأثير في سياسات تركيا بسبب العلاقات الحسنة التي تربطهما. أما تركيا فهي  الهدف في كل تحركاته الدبلوماسية، حتى وهو يذهب إلى قيصر ألمانيا أو يحاول مقابلة قيصر روسيا، وقد نجح بالفعل في زيارة الأستانة ولقاء السلطان وإقامة علاقات حسنة مع بعض أعوانه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أخذ يشرح للباب العالي أهمية إقامة دولة يهودية في فلسطين ويقول في ذلك “إن نشاط اليهود وأهميتهم تجارياً ومالياً معروفان جداً… إنه نهر من الذهب والتقدم والحيوية يحوله السلطان نحو تركيا حينما يسمح بدخول اليهود الذين هم أصدقاء تركيا منذ القرون الوسطى”. إن اقتناعه بالحاجة إلى تركيا دفعه إلى القول “إن عظمة الإمبراطورية العثمانية وقوتها هما الأمل الوحيد للشعب اليهودي”، فقد كان بحاجة ماسة لموافقة الباب العالي على مشروعه لكي يتحقق ما كان يعمل من أجل تحقيقه من خلال “الشرعية الدولية” وبدعم “دولة كبرى” لأن فلسطين كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية آنئذ(28).

لم يكن ذلك التوجه غريباً في وقت أخذت ألمانيا خلاله في التقرب من الإمبراطورية العثمانية، وحيث بدا النفوذ الألماني الناجح لدى الأستانة مشجعاً للغاية، ومع ذلك فإنه سرعان ما تبين أن مشاريع هرتزل بالنسبة لفلسطين كانت تتجاوز القدرة الألمانية. وبينما كانت ألمانيا تفتقد إلى الإدارة أو القوة الكافيتين لتنفيذ مشروع سياسي بفلسطين؛ لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لبريطانيا(29)، فحين لم تثمر المساعي في إقناع القيصر الألماني لوضع الاستعمار الصهيوني تحت حمايته لاعتبارات دولية أهمها العلاقات الألمانية -العثمانية وعدم رغبة القيصر في تعكيرها، لاسيما بعد أن أحجم السلطان عبد الحميد عندما قابله هرتزل في مايو 1901 عن منح “الفرمان” بالاستعمار الصهيوني في فلسطين، وبالتالي ركز هرتزل جهوده على كسب تأييد بريطانيا(30).

وظهر من يوميات هرتزل أنه كان يريد الموافقة العامة من إنجلترا وفي إطار موافقة الدول الكبرى فقط، لأنه اعتبر ألمانيا هي الحامية الفعلية للمشروع، لهذا يقول : “سيكون من مصلحة إنجلترا بناء خط حديدي رأساً عبر فلسطين من البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي، أو ربط هذا الخط بما أصبح ضرورياً بفضل حاجات المواصلات  الحديثة من خط عبر فارس وبلوشستان (وربما أفغانستان) إلى الهند… ستجني إنجلترا هذه المكاسب بدون مصاريف وبدون أن يعلم العالم عن دورها شيئا”، ويستطرد في مكان آخر “أشعر بأنه مما يفيد قضيتنا أن يضطر الإنجليز إلى مغادرة مصر، فإنهم سيضطرون آنذاك أن يبحثوا عن طريق آخر إلى الهند بدل قناة السويس التي ستضيع منهم أو على الأقل تصبح غير مأمونة، آنذاك تصبح فلسطين اليهودية الحديثة مناسبة لهم، والطريق من يافا إلى الخليج الفارسي”(31).

لقيت الصهيونية السياسية شيئاً من الاهتمام البريطاني عندما حمل قيام المذابح اليهودية في روسيا عند منعطف القرن سيلاً من اللاجئين إلى بريطانيا؛ مما هدد مستوى المعيشة بها ودفع الحكومة لتعيين لجنة أجنبية لدراسة قضية الهجرة الأجنبية، ومع ارتفاع الأصوات الشعبية لفرض القيود؛ استطاع أصدقاء هرتزل إقناع اللجنة الملكية بالاستماع إليه كشاهد صاحب خبرة عام 1902، ورغم أن شهادته لم تلق صدى إيجابياً بين الساسة الإنجليز نتيجة لعدم اقتناع روتشيلد بالصهيونية السياسية فضلاً عن رعايته للاستيطان في فلسطين الذي يمنعه هرتزل، فقد استطاع أن يكسب جوزيف تشمبرلين وزير المستعمرات إلى صفه(32)، ومن ثم فقد جرت مراسلات ومداولات بينهما حول قبرص أو العريش وصحراء سيناء. أما أوغندا التي طرحها تشمبرلين فقد اعترض علهيا هرتزل بدعوى أن القاعدة الصهيونية يجب أن تكون فلسطين أو بالقرب منها. وبينما جاء تصوره الواضح لكل من قبرص وسيناء وأوغندا باعتبارها قواعد استعمارية للوصول نهائياً إلى فلسطين، فإن مذبحة كيشفيف الروسية عام 1903 حركته للقبول بالصهيونية الإقليمية كهدف مشروع دون الإشارة لفلسطين.

وأثناء انعقاد المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903 في مدينة بال؛ أعلن هرتزل قبوله وتأييده للاقتراح الذي تقدمت به الحكومة البريطانية بشأن استعمار يهودي في أوغندا، وبالرغم من تأكيد هرتزل على أن إفريقيا الشرقية ليست فلسطين، بل مجرد استعمار احتياطي يمكنه تأمين أساس قومي وركيزة للدولة؛ فقد شق مشروع أوغندا الحركة الصهيونية، وانقسم المؤتمر على إثره إلى اتجاهين؛ مؤيد ومعارض، وكان من أشد معارضيه اليهود الروس الذين اتهموا هرتزل بالخيانة والتفريط بفلسطين، وأمام هذا الخلاف وخوفاً من تصعيد الانشقاق في الحركة الصهيونية قدّم هرتزل استقالته من قيادة الحركة الصهيونية، وواصل تحركاته واتصالاته مع الجهات الدولية المعنية لأخذ الموافقة على إنشاء الوطن القومي في فلسطين حتى مات  عام 1904م، ليواصل الطريق من بعده حاييم وايزمان الذي استطاع الحصول على وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917م.

—–

22- أمين عبد الله محمود، مرجع سابق، ص 143- 144.

23- ريتشارد، ب. ستيفنز، الصهيونية كمرحلة من مراحل الإمبريالية الغربية، في د.  إبراهيم أبو لغد، مرجع سابق، ص 48.

24- سلامة كيلة، حدود الفكرة الصهيونية، قراءة في يوميات هرتزل، الوحدة، السنة الخامسة، عدد 56 (مايو 1989) ص 107- 108.

25- ريتشارد ستيفنز، مرجع سابق، ص 48- 39.

26- سلامة كيلة، مرجع سابق، ص 108- 109.

27- د. إميل توما، مرجع سابق، ص 56- 57.

28- سلامة كيلة، مرجع سابق، ص 109- 110.

29- ريتشارد ستيفنز، مرجع سابق، ص 49.

30- د. إميل توما، مرجع سابق، ص 59.

31- سلامة كيلة، مرجع سابق، ص110.

32- ريتشارد ستيفنز، مرجع سابق، ص 49- 50.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *