قراءة في أحداث غزة الجريحة : الحيثيات والـمأمول


تقديم:    في مهرجان حاشد بالقاعة المغطاة في مدينة وجدة، يوم 11/1/2009، تضامنا مع أهلنا في غزة ودعما لصمودهم الجهادي، ألقى العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة كلمة خصها للحديث عن غزة وجهادها وعطاءاتها التاريخية وتحدياتها الحالية وعن المطلوب تجاهها. وقد وضعنا لكلمته عناوين تفصيلية قد تكون مقصودة من قبله.

نص الكلمة:

(بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة أيتها الأخوات، نلتقي في هذا الظرف العصيب الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وهي تشهد هذا الظلم الواقع على جزء من كيانها على غزة، على شعب غزة، على نساء وأطفال غزة. نلتقي اليوم في مثل هذا المهرجان الذي قد يقول عنه بعض المُخَذِّلِين، وبعض من لا يعي قيمة الكلمة: وما تنفع الكلمات والخطابات في مثل هذا اللقاء، في مثل هذا الظرف؟

في لزوم صياغة خطابات تسترجع الوعي، بعد تزييفه من قبل الصهيونية وقنواتها

ونقول: إننا في أشد الحاجة إلى الخطاب الذي يعيد إلينا الوعي بحقيقة المرحلة، بحقيقة الصراع. خصوصا بعد أن توصلت الصهيونية، ومنذ أمد ليس بالقصير إلى تزييف الوعي وإلى صناعة فكر لصالحها. توصلت الصهيونية إلى أن تحمي نفسها الآن بقوانين. وإلى أن تجعل مجرد التشكيك في قول من أقوالها وفي زعم من زعومها خطأ وجريمة يعاقب عليها القانون. وأَوْهَمَت الصهيونية أنها هي الممثلة لحقيقة هذه الشعوب الشرقية، التي تسمى الشعوب السامية. وأصبح من يتحدث عن إسرائيل بكلمة سوء، متهما بأنه معاد للسامية. والسامية من جملة مكوناتها هذه الشعوب التي تُقْهَر، هذه الشعوب التي تُدَمَّر الآن. إنه وعي مغلوط زائف، تمكنت من خلاله إسرائيل من أن تتسلل إلى مفاصيل حياتنا الخاصة، إلى الفن إلى الثقافة إلى الصحافة، إلى كثير من الجهات التي أصبحت الآن تعيش بالفكر الصهيوني، تنقله وتنشره وتبشر به، وتخذل الأمة وتحتقر كل جهد للنهوض.

نحن الآن أيها الإخوة في حاجة إلى مثل هذه الوقفة من أجل استرجاع الوعي، من أجل وضع الأشياء في نصابها. نحن الآن أيها الإخوة، نعيش من أجل هذا الصراع الذي يقع على جزء منا، هذا الهجوم الذي يقع على جزء من أرض الإسلام، يقع على غزة.

من منجزات “غزة هاشم” التاريخية:

وغزة كانت دوما حاضرة ضمن الأمة العربية وضمن الأمة الإسلامية، وكان لها عطاؤها الكبير: فغزة كانت في ذاكرة العرب، وفي علم رسول الله  لها مكانة خاصة، فقد كانت العرب تسمي غزة: “غزة هاشم”. لأن هاشم بن عبد مناف جد رسول الله  دفن في غزة وقبره بغزة، فكانت غزة كلها تسمى “غزة هاشم”. ففيها جثة أحد أجداد رسول الله . وقد أعطت أحد أكابر علماء الإسلام وأحد من منشئي المذاهب الإسلامية وهو الإمام الشافعي وهو غزي ولد في هذه المدينة ثم ارتحل بعد ذلك. وأعطت جمهرة كبيرة من العلماء الغزيين، وأعطت ما أعطت من كفاح ومن جهاد. وفي بدايات القرن الماضي كانت غزة تقف شامخة في وجه الإنجليز، وذاق الإنجليز في اقتحامها الأمَرَّين، وقتل في بعض المواجهات أكثر من ستة آلاف شخص، وما استطاعوا أن يقتحموها إلا بالغدر والخيانة، كما أن الإسرائيليين الآن يتوصلون إلى دك بيوتها بالغدر والخيانة كذلك. وغزة كانت دائما رقما صعبا، وكان “إسحاق رابين” الهالك السابق يقول: “تمنيت أن هذه المدينة ابتلعها البحر”، لأنها كانت تشكل مشكلة كبيرة. وقد اضطرت إسرائيل أن تنسحب منها بفعل الضربات الموجعة التي تلقتها. هذه غزة في قلوبنا، في وعينا، في ضمائرنا. وغزة الآن هي جرح يصيب الأمة، وقد وعد الله تعالى الأمة أن تصيبها الجروح، وقال: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله}. غزة الآن جرح في الجسد الإسلامي.

الفروق بين الحرب الشريفة وحرب عصابات الإجرام الإسرائيلية:

إن الذي يقع الآن أيها الإخوة، ليس حربا، كما يسميها الناس. الحرب وإن كانت حربا فلها شرفها. إن الجندي الذي يعي معنى الجندية، ويلبس اللباس العسكري لا يرضى أن يقتل طفلا أو يقتل امرأة تلتجئ إلى مدرسة أو يقتل شيخا فانيا أو يقتل مريضا في مستشفى. إن الجنود الذين يحملون شرف هذه المهنة، يقاتلون في ساحات الأكفاء، يقاتلون والسلاح مشهور أمامهم. أما هذا الذي يقع الآن، فهو جبن الجبناء، وشيء تستطيعه كل عصابات الإجرام. كل عصابات الإجرام تقتل الأبرياء وتقتل اللاجئين وتقتل الخائفين وتقتل النساء والرجال. إن هذه هي الحقيقة التي نعيشها الآن، حقيقة الإجرام الصهيوني الذي يقع على إخواننا في غزة.

> أ- الإجرام القاصد:

هذا الإجرام ليس حربا عادية، هذا الإجرام إجرام ممنهج، إجرام قاصد، وإجرام ضد الأمة الإسلامية بالتأكيد. والأمة الآن في جسد هذه الرقعة في جسد غزة تقاوَم  وتُواجَه. ولئن انتصر هذا العدو في غزة، فإنه سيكون منتصرا على الأمة الإسلامية. ألم تكونوا من قَبْل تسمعون، أن إسرائيل يمكن أن تهاجم إيران؟ كانت تقول هذا. لكن غزة الآن تجعلها تعرف معنى المقاومة، وأن مهاجمة إيران حلم بعيد، لأنها الآن لا تستطيع أن تصفي هذه المقاومة في حجمها في كتلتها الصغيرة، فكيف بها لو تخطت تلك الحدود، لو حلمت بمهاجمة بلاد إسلامية. كانت كل البلاد الإسلامية في مرمى هذه القوة الغاشمة، وكان كل شيء ممكنا، لكن غزة الآن، تعطي النموذج وتعطي المثال وتنوب عن الأمة وتنوب عن المسلمين كلهم. إن هذا الهجوم يستهدف كما قلت، الأمة الإسلامية، الشعب الفلسطيني، ويستهدف بكيفية مرحلية أهل غزة، ويستهدف بكيفية أخص هذه المقاومة في غزة.

> ب- إسرائيل تقصف 13 مسجدا في رقعة صغيرة، والمسلمون يحافظون على أكثر من 11 ألف كنيسة:

وهو هجوم يتوجه إلى رموز. إنه يتوجه إلى المساجد. وإسرائيل الآن قد هدمت أكثر من ثلاثة عشر مسجدا. في أي حرب كانت بيوت العبادة تتخذ مرمى وهدفا؟ إلا أن يكون الجنود جبناء، غير قادرين على أن يواجهوا في ساحات المعركة الحقيقية. ثلاثة عشر مسجدا هدم. ونحن أيها الإخوة الذين نعرف “بالإرهاب”، عبر تاريخنا لم نهدم كنيسة، ولم نهدم بيعة، وحافظنا على دور العبادة كلها، وعاقب المسلمون قديما الذين اعتدوا على الكنائس ودور العبادة لليهود. إننا في أوج قوتنا لم نهدم كنيسة واحدة. والكنائس القديمة الآن عند الأقباط، وفي الشرق العربي بقي أكثر من أحد عشر ألف كنيسة، لم يهدم المسلمون منها كنيسة واحدة، رغم قدرتهم على أن ينفذوا إرادتهم لو شاءوا ذلك. لماذا تهدم المساجد؟

تقصف المساجد لأنها تؤدي ضريبة أدائها رسالتها: تهدم المساجد لأنها المسؤولة عن إبقاء هذه الروح القتالية روح الجهاد في الأمة، المساجد تؤدي ضريبة أدائها رسالتها. وأهل غزة بعد أن حطمت مساجدهم يخرجون إلى فناء تلك المساجد ويصلون في البرد وفي العراء، والصلاة إلى الآن لم تنقطع في تلك المساجد.

> ج-أي خزي أكبر من أن تهاجَم مؤسسات العلم الجامعية؟

إسرائيل  تهاجم الجامعات أيضا. وأي خزي أكبر من أن تهاجم مؤسسات العلم في العالم؟ الجامعات في العالم ذات حرمة ومكانة، وهي بعيدة عن معنى الحرب، هي مثابات للعلم. إذا كان الناس يقولون: إن المغول قد ألقوا بالكتب في نهر دجلة، وكانوا متوحشين بذلك، فماذا نقول لإسرائيل التي هدمت الجامعات، وهدمت ضمن الجامعات المكتبات، وهدمت المختبرات وأماكن الدرس؟ إنها الهمجية والوحشية والانحطاط بكل المعاني. حينما تجرؤ إسرائيل على أن تهدم جامعة، فلأنها تريد أن تهدم المستقبل العلمي للأمة. هذه الجامعات خرجت خيرة الشباب في الأمة، هذه الجامعات رفعت مستوى العلم والوعي عند الغزيين. شعب غزة، تعرفون أيها الإخوة أن أكثر نسب التعلم في العالم العربي مركوزة في غزة. نسبة القراءة والكتابة في غزة 92 في المائة. أي فقط 8 في المائة من أهل غزة هم أميون. في حين أن الأمية مستفحلة منتشرة في العالم الإسلامي بشكل كبير. إنهم يضربون غزة لأنها خرجت هذا الشباب الذي صنع هذه الصواريخ، التي يسميها البعض صواريخ عبثية. إذا كانت هذه الصواريخ عبثية، فلماذا تخاف إسرائيل من صواريخ عبثية؟ إن إسرائيل تخاف من الصواريخ التي يصنعها أهل غزة ما لاتخافه من الصواريخ الرسمية! الصواريخ التي تدجج بها الجيوش الإسلامية، جيوش بعض الدول هي مثل الدجاج الذي له أجنحة ولكنه لا يطير. هذه الصواريخ هي صغيرة، ولكنها من بناء العبقرية الفلسطينية. كان يوما صواريخ قريبة المدى، إسرائيل تتحسب أن هذه الصواريخ سيبتعد مداها وستتطور وستكون مشكلة حقيقية. فلذلك، كان الهدف هو إسكات هذه الصواريخ، ولذلك كان الهجوم دائما يقع على المخارط وأماكن صناعة كل ما هو من حديد ومن المعدن. فإسرائيل تستهدف مكمن القوة في هذه الأمة. إسرائيل تستهدف المدارس لأن المدارس تصنع الفكر والوعي، وتهيئ الأمة لدورها المستقبلي.

> د- في استهداف الأطفال والنساء:

إسرائيل تقتل النساء، تقتل الأطفال، والأطفال ليسوا طرفا في المعركة، ولكنهم يمثلون المستقبل، يمثلون الأمل. تقتل إسرائيل النساء لأن المرأة الفلسطينية رمز الخصوبة ورمز المستقبل. لأن هذه المرأة التي ترونها أيها الإخوة، تستحق منا أن نقف معها وقفة. إن المرأة الفلسطينية شيء خاص، وكائن خاص، وإنسان خاص. هذه المرأة الفلسطينية التي نشاهدها على الشاشات يُقْتَلُ أهلها، وحينما تقوم تكبر الله وترفع صوتها وتدعو الله ولا تنسى عقيدتها. إنها ليست المرأة التي تشق الجيوب أو تلطم الخدود أو تعري جسدها. إنكم كلما رأيتم المرأة، ولو على فراش الموت، ترونها امرأة محتشمة، امرأة محافظة على مظهرها الشرعي. المرأة الفلسطينية هي سبب كل هذا الصمود، هي التي علمت الأبناء كيف يكونون رجالا، وكيف يكونون رجال الإسلام. فتحية للمرأة الفلسطينية. وفي مقابلها المرأة الشرسة الدموية التي تتعشق الدماء “تسيفي ليفني”. هذه المرأة التي تتوق إلى الدماء وتَخْرُج عن طبيعة المرأة بما منحها الله تعالى من وداعة ومن لطف. وهذه وزيرة خارجية أمريكا التي تسندها سفينة إسرائيل. هؤلاء النساء صُنِعْنَ بهذا الفكر البعيد عن الإسلام، ولذلك يمثلن الشراسة والقبح وما في الإنسان من دموية.

أيها الإخوة، هذه حرب حضارية حرب هادفة حرب قاصدة لها أبعاد، وهكذا يجب أن تفهم. وكما قلت، فهذه الحرب بالمعنى العسكري بمعنى شرف العسكرية، ليست إلا هجوما، ليست إلا عدوانا، ليست إلا اعتداء لا أقل ولا أكثر. وإن تدمير هذه المنشئات لا يشرف العسكرية أبدا.

ماذا حققت إسرائيل، وماذا حققت المقاومة؟

هذه الوقائع هي جرح كما قلت، هي قرح يصيبنا كما أصاب الناس من قبلنا قرح مثله، كما يقول عز وجل. لكن، ما الذي تحقق؟

> أ- إسرائيل لم توقف الصواريخ ولم توقف المقاومة:

إن الذي يتحقق، دائما يقاس بالمقاصد والأهداف التي وقعت من أجلها هذه المواجهة. إسرائيل: قصدت إيقاف الصواريخ وإيقاف المقاومة ونزع هذه المقاومة واجتثاث هذه المقاومة. قصدت هذه المقاصد التي أعلنت عنها. وهي الآن لم توقف هذه الصواريخ، وهي إلى الآن لم تجتث المقاومة، ولن تجتث المقاومة. والفلسطينيون لم يعلنوا أنهم يريدون هدم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، إنما كانوا يعلنون عن شيء هو المحافظة على المقاومة، المحافظة على النفس، وهذا الهدف تحقق. فلا شيء من أهداف إسرائيل تحقق، وهدف المقاومة هو إلى الآن المتحقق، لأن المقاومة يصعب اقتلاعها ويصعب إزالتها. وكأن إسرائيل تقنع بهذا الانتحار العالمي الذي فضحها، الذي جعلها تتخبط فتتقدم وتتوغل في دماء الأبرياء، لأنها لم تحقق إلى الآن شيئا حقيقيا يمكن أن تعلن من خلاله أنها حققت جزءا من مشروعها.

وهذه المواجهة تحقق أهدافا أخرى للأمة الإسلامية:

> ب- المواجهة حققت التمحيص بين فريقين:

حققت التمحيص، والله تعالى دائما يذكر عن هذه المواجهات، أنه يمحص بها الذين آمنوا ويمحق الكافرين. فقد تمحص الناس وتبين أن هنالك مخادعين، وأن أسطورة القانون الدولي الإنساني  üüü حقيقة أنها أسطورة، تحاكم بها الناس تحاكم بها الدول القوية كل الشعوب. كل الشعوب كانت مستهدفة وكانت مطالبة بأن تحترم ضوابط هذا القانون، وأن تخضع لقرارات الأمم المتحدة. لكن تبين أن مجلس الأمن إنما هو مجلس للرعب، وأنه مجلس لأمريكا. وأنه قاعة تبرر من خلالها أمريكا إرادتها. إذن، فقد انكشفت، إن كان الأمر يحتاج إلى انكشاف، انكشفت هذه الحقائق، انكشف أن هنالك بيننا من المخذلين من المحسوبين على المسلمين من الذين باعوا هذه القضية منذ مدة فقد أحرجوا، وقد تبين أنهم لا يستطيعون أن يقدموا لهذه القضية شيئا كبيرا. وتبين كذلك أن هناك من يجاهد ومن يقاوم ومن يحافظ على شرف هذه الأمة.

> ج- دخلنا مرحلة زال فيها الخوف من إسرائيل:

وعلى العموم أيها الإخوة، إن هذه المحطة التي نعيشها الآن، هي محطة مفصلية. إننا الآن دخلنا مرحلة زال فيها الخوف من إسرائيل. إسرائيل كانت تتحدث بلغة الستر الذي يجري إرادته على كل الناس. كان الناس يخافون من السطوة من قوة إسرائيل، لأن إسرائيل هزمت العرب في مواقع كثيرة. لكن الآن، وبعد حرب جنوب لبنان وبعد الحرب في هذه المواجهة، استبانت إسرائيل أن الأمر يختلف. وفي السنوات المقبلة سيختلف الأمر كثيرا، وأن العجز العسكري لن يظل طويلا، ولن يكون قدرا باقيا، وأن مستقبل إسرائيل ليس كما كان موعودا.

إن إسرائيل تعيش دائما على رغبة خاصة، تعيش وهي مطمئنة إلى أن أحدا لن ينازعها. (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله). عاشوا دائما على الرهبة. ومهما حاولت الإدارة العسكرية أن تُطمئن الإسرائيليين، فإن الإسرائيليين خائفون وجلون، ويعلمون أن بقاءهم كان حلما وكان مضيعة وأن المستقبل ليس لصالحهم، وأن المرحلة هذه، لن تحسم كل شيء، وأن هناك الآن رجالا ونساء يخرجون من تحت الأرض. هذه القوة الإسلامية التي تنبت عبر مساحات العالم الإسلامي، لن تسمح بعد هذا لإسرائيل بأن تعربد في هذه الأرض وتفرض إرادتها.

> د-إن المستقبل شيء آخر:

إننا سندخل عالم التكنولوجيا والمعرفة، وقد أصبحنا نفعل شيئا من ذلك. إن الأمل أيها الإخوة في الشباب الصاعد الناهض الذي يطلب منه أن يخلص لطلب العلم وللمعرفة ولرفع هذه المعاناة. إن هذا الإحساس بالعجز لا يجوز أن يستمر. ولابد أن نكون في المستوى الذي نرد فيه التحديات، ونظهر فيه للعالم أننا لم نعد كما كنا. وأن حرب 48 انتهت، وحرب 67 انتهت، وأن المستقبل شيء آخر.

التطبيع وَهْمٌ مع أمة غير طبيعية:

أيها الإخوة، في نهاية هذه الكلمة، أحب أن أقول:  إن إسرائيل توصلت إلى نشر ما كان يسمى بالتطبيع. والتطبيع وَهْمٌ. إن إسرائيل لا يمكنها أن تؤمن بشيء طبيعي بينها وبين الناس. إنها لا تعتبر الناس أكفاء لها حتى تكون علاقتها بهم، وعلاقتهم بها طبيعية. إنها تستغل، إنها تستنزف، إنها تمتص الخيرات. فكلمة “التطبيع” ليست صحيحة مع إسرائيل. لأن علاقتها مع الناس لا يمكن أن تكون طبيعية. لأن “ما كان شعبا مختارا لله”، لا يمكن أن تكون علاقته مع باقي الشعوب طبيعية. ولكن كانت إسرائيل تتسلل من كل الفجوات من كل الشقوق ومن أبواب الكتابة والفن والمسرح ومن أبواب كثيرة رأيناها.

نقول لهؤلاء: هذه هي إسرائيل لمن كان يجهلها. من يجرؤ أن يمد يده إلى هذه القوة الدموية القاتلة؟ من يريد أن يكون نازيا جديدا يصافح هؤلاء النازيين؟

نحن أمة تقاوم، ولا تقاد مستسلمة إلى الأفران كالدجاج كما حصل لليهود مع النازيين:

إن النازيين قَتَلوا هناك بالنار، أَحْرَقوا بالنار، وهؤلاء يحرقون بنار القنابل الفسفورية البيضاء، وهؤلاء يحرقون بنار أشد فتكا من هؤلاء. وبعض الأقلام تقول عنا: إن المسلمين، إن أهل غزة معرضون للمحرقة. وهذا خطأ. إن أمتنا لا يمكن أن تعرض للمحرقة. يمكن أن تسلط عليها ألسنة، ولكنها لن تعرض للمحرقة. الذين عُرِّضوا للمحرقة على يد النازية، كانوا يؤخذون من بيوتهم، وهم مستسلمون، يُجَمَّعُون وينتظرون أقدارهم حتى تأتي النازية فتزج بهم في الأفران وتحرقهم. شعبنا لا يحرق، شعبنا يقاتل يقاوم، لا يمكن أن يُحْمَلَ كالدجاج إلى الأفران. إن الشعب الفلسطيني لايموت بدم بارد، لأنه يؤمن بالآخرة. ويؤمن بأن ما أعده الله للشهداء، شيء كثير. وإن الغزيين الآن وهذه لغتهم، يقولون لمن مات: (لقد كسبها). هذه كلمة الغزيين الآن. إذا أخبروا عن شخص استشهد يقولون: “فلان كسبها”. لأنهم لا يعتبرون الموت والشهادة خسارة، وإنما يعتبرونها كسبا، وبالتالي فهم لا يستسلمون، وبالتالي فهم لا يعرضون للمحرقة، لأن الذين عرضوا للمحرقة كانوا ينتظرون ولم يكونوا قادرين على المقاومة كما يقاتل هذا الشعب.

ما المطلوب الآن؟

أيها الإخوة، إننا مطالبون الآن بدعم هذا الشعب بكل الوجوه. بالدعاء بالمساندة بتصحيح الوعي بمواجهة هذه الأفكار التي سربها وبررها الناس، حين أصبح بعض التجار يروج بضاعات إسرائيلية ويجد من يشتريها. هذه كلها كانت أخطاء يجب أن توقف ويجب أن تنتهي. من أعان هؤلاء فقد أعان الكافر على قتل المسلم. يروج للبضائع الإسرائيلية من أجل أن تجمع من تلك الأموال ما تشترى بها وسائل الدمار ووسائل الفتك.

سيأتينا، وقد بدأ هذا الأمر، بدأ يستقبل المغرب مجموعة من الجرحى من الفلسطينيين. ومنذ مدة وبعد الانتفاضة الأولى استقبل المغرب عددا كان أقل، وهذا العدد كان موجودا في المستشفى العسكري بالرباط. والعدد الآن سيكون أكبر، ربما في المستشفى العسكري ومستشفى ابن سينا. وأنبه الإخوة أن علينا جميعا أن نزور هؤلاء حينما يستقرون، وأن نساعدهم ماديا. وقد زرت فيما سبق الذين جاءوا بعد الانتفاضة الأولى في المستشفى، ولاحظت أن كثيرا من المواطنين لم ينتبهوا إلى هذا الأمر، ولم يزوروهم. كانوا في المستشفى العسكري في عناية كبيرة وكانوا في ضيافة في الحقيقة، وسيكونون كذلك. ونحن نعرف أن الأطباء في هذه المستشفيات لهم غيرة على الأمة الإسلامية، وسيعتنون بهم كل العناية، هذا لا نشك فيه. ولكن أقول: كل منا يعتبر أن هؤلاء ضيوف وهؤلاء إخوان. هؤلاء تركوا دورهم، وهم الآن في حالة تعرفونها، في حاجة إلى دعم مالي، في حاجة إلى المساندة. أهلهم ينتظرونهم. هُدمت دورهم، ذهبت ممتلكاتهم أوقفت أشغالهم، وهم الآن في حصار ومنذ مدة. فلذلك أوصي الإخوة وأوصي الإخوة أن يوصوا الإخوة في جهات أخرى أن نزورهم أو نوفد من يزورهم، ونساعدهم ماديا. حتى إذا شُفوا إن شاء الله تعالى، عادوا إلى أهلهم وهم يحملون هذه المساعدات المادية التي نريدها أن تكون قيمة ومعبرة ومعوضة عما خسره هؤلاء. نسأل الله تعالى لهم العافية، ولشهدائهم الرحمة. ونسأل الله تعالى للمجاهدين التثبيت والنصر والتأييد. ونسأل الله للأمة الإسلامية أن تكون هذه المرحلة، مرحلة يقظة، ومرحلة صحوة ومرحلة رجوع. نسأل الله تعالى أن يتوب على المفسدين الذين ينشرون الفساد في هذه الأمة ويخلخلون بناءها وتكاتفها. إن نشر الفساد والرذيلة لا يخدم هذه الأمة في مستواها الديني الذي يهيئها لتنهض بواجباتها. هؤلاء الذين يفككون العلاقات داخل الأسر وفي المجتمعات، ويكتبون صباح مساء في هدم التدين، وفي هدم الدين وفي هدم القيم لن يهيئوا هذه الأمة لشيء كبير. نسأل الله تعالى أن يكون هذا الموقف محطة للتوبة والإنابة والانتماء إلى الأمة. ونقول لهؤلاء: إذا لم تكونوا مع أمتكم فليس لكم مكان في أي مكان. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *