ثمار التوجه خارج أم القرى تعقيبات وتوضيحات ومستفادات 2/2


4) بعث الممثل الشخصي لرسول الله  لإمامة المسلمين بالمدينة وتفقيههم في دينهم :

كان الأوسيون والخزرجيون -لما كان بينهم من الحروب القبلية- يكرهون أن يؤمهم أحَدٌ منهم، زيادة على بداية عهدهم بالدين الجديد، ولذلك طلبوا من الرسول  أن يبعث معهم من يفقِّههم في الدين أولا، ويؤمهم في الصلوات ثانيا، ويحل مشاكلهم ثالثا، فكان لمصعب بن عمير هذا الشرف -رغم صغر سنه- لقوة إيمانه وحسن دبلُوماسيته، واستطاع هذا الدبلوماسي الفطِن الحكيم أن يجُرّ أكبرَ قيادات الأوس -وهم الذين كانت لهم الغلبة في حرب بعاث الأخيرة- إلى الإسلام، وهذا إنجاز عظيم أن يمْسَح في ظرف وجيز جميع نعرات الجاهلية واعتزازها بأيامها الحربية الغابرة، فقد دخل في الإسلام -من الأوس- أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وهما سيدا الأوس، وبإسلامهما لم يبق في بني عبد الأشهل من رؤساء الأوس رجل ولا امرأة ولا طفل إلا دخل الإسلام، وبذلك أصبح التيار الإسلامي عارما، وأصبح الاتجاه معبّأً لقيام الثورة أو النصرة الإسلامية بالمدينة وأصبحت مهمة القيادة تنظيم هذه الطاقات كلها لصالح المعركة.

خصوصاً وأن بيعة النساء -وإن لم تتضمن الحرب- ولكنها تعنى أكثر من ذلك الجهاد الأولي، الذي هو جهاد النفس الضروري توفُّرُه لكل جهاد بالمال والنفس.

فالجهاد النفسي يعني :

> المفاصلة العقدية : لا إشراك بالله.

> المفاصلة السلوكية : فلا سرقة ولازنا، ولا وأد لولد أو بنت، ولا افتراء ببهتان.

> المفاصلة الولائية : لقد ا نتهت الطاعة للقبيلة والمشيخة وأصبحت الطاعة لله والرسول.

> مفاصلة الموازين : أصبح مفهوم العصيان ليس للقبيلة أو الأسرة أو رئيسها، ولكن العصيان إذا وقع هو لله ورسوله، والذي يحاسبه على عصيانه هو الله تعالى وليس شيخ القبيلة أو رئيسها.

> تطليق السلطان البشري : فعقوبة المعصية من الله عز وجل وليس من سلطان الدولة، وأجر الطاعة هو من الله تعالى المطلع على السرائر.

إنها دروس كبيرة تضمنتها بيعة النساء لابد منها لمن يريد من الدعاة أن يبني دولة على أسس متينة .

5) لا مفهوم للزمن في الصدق والإخلاص واستيعاب مؤهلات المراحل البنائية :

فقد استغرقت التربية المكية أكثر من ثلاث عشرة سنة، أما التربية المدنية فلم تتعد عامين -تزيد أو تنقص قليلا- ولكنها أثمرت الثمار العظام التي كان المسلمون المكّيون يرونها بعيدة بينما هي في ميزان الله تعالى وعلمه قريبة جدا، ولذلك اعتبر الله تعالى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في درجة واحدة {والسّابقُون الأوّلون من المُهاجرين والأنْصار}(التوبة : 101) كلهم رضي الله عنهم ورضوا عنه، شهادة من الله عز وجل لا تُقدّر بثمن، لأن المهمّ نوعُ التربية، ونوعُ الأشخاص الذين يتلقونها، لا الزمنُ الذي استغرقته.

ويَا ليْت الدّعاة اليومَ يعرفون النوعيات الجيدة القادرة على الاستيعاب السريع، والفهم السريع، والتطليق السريع لكل المعوقات، والنهوض السريع للمهمات الصعبة بدراية وحكمة وجد واجتهاد، فرِجْلٌ في الدنيا ورجل في الآخرة لا تستطيع تأسيس حضارة دنيوية بروح أخروية.

6) نزول الإذن بالقتال إيذانٌ من الله تعالى ببدْء مرحلة التهيؤ لبناء دولة الإسلام:

كان نزول قول الله تعالى : {أذِن للذِين يُقَاتَلُون بأنهم ظُلِمُوا وإنّ اللّه على نصْرِهِم لقَدِير الذِين أُخْرجُوا من دِيارِهم بغَيْر حقٍّ إلاّ أنْ يقُولُوا ربُّنا اللّه ولوْلا دِفاعُ اللّه الناسَ بعْضَهُم ببعضِ لهُدِمَتْ صَوامِعُ وبِيَع وصلَواتٌ ومساجِد يُذْكرُ فِيها اسْمُ اللّه كثِيراً ولينْصُرَنّ الله من ينْصُرُه إنّ اللّه لقَوِيٌّ عزيزٌ الذين إن مكّنّاهُم في الارْض أقامُوا الصّلاة وآتوا الزّكاة وأمرُوا بالمعروف ونهَوْا عن المُنْكر وللّه عاقِبَة الامُور}(الحج : 39- 41).

كان نزول هذه الآيات إيذانا من الله تعالى بأن مرحلة التربية قد انتهت، وأن مرحلة مجابهة الباطل قد أقبلت، لأن الباطل قد وصل إلى قمة الظلم الذي لا صبر عليه، وإلا أصبح المبطلون يظنون أنهم مطلقوا اليد في أرضه وخلقه بدون حسيب أو رقيب، وسنة الله عز وجل في الظالمين أنها تمهلهم إلى حين وجود النّخبة القادرة على تدمير حضارة الباطل وتأسيس حضارة الحق المكرمة للإنسان.

وملامح دولة الحق من خلال الآيات هي باختصار :

> تدفع الظلم وتُقْبره : فلا شرعية لوجودها بدون حق ينحَرُ باطلا.

> قوتها : ربّنا الله،: لا تتلقى الدعم من زعماء محليين أو عالميين وإنما قوتها مستمدة من رب العالمين ناصر المظلومين وقاهر الظالمين.

> رسالتها : تطهير الأرض من كل منكر : معنوي أو مادي سياسي أو اجتماعي وذلك بربط رعايا الدولة كبيرهم وصغيرهم بالله تعالى، وإقامة العدالة التامة بينهم في كل مجال.

7) التعليم قبل التمكين :

نزلت هذه الآيات قبل التمكّن من قيام الدولة ليعلمنا الله تعالى أن التعليم قبل الممارسة للوظيفة، فقبل أن يمكن الله تعالى رسوله والمومنين بصَّرهم بمهمتهم قبل ممارستها، فهل الدّعاة يعرفون اليوم ما هي مهماتهم محليا، وعالميا، واجتماعيا، وسياسيا، أسريا، وفرديا، تعليميا، وعسكريا، تعاملا أخويا، وتعاملا إنسانيا، تعاملا بيئيّاً وتعاملا صحيا…؟! أم هم نائمون في العسل يحلمون بالغد الذي ليس لهم من العلم به والتخطيط له لا القليل ولا الكثير.

8) التهييء لقيام الدولة يحتاج إلى عهود ومواثيق :

لقد اجتمع الأنصار في بيعة العقبة الثانية التي تسمى ببيعة الحرب مع رسول الله  فشرطوا عليه وشرط عليهم، شرط عليهم أن يؤووه وينصروه، وشرطوا عليه أن يكون معهم يداً واحدة على من عادَوْه، حتى لا ينفرد أعداؤهم بهم إذا ما تخلى عنهم.

أما المقابِلُ الذي شرطه لهم فهو الجنة من عند الله تعالى. فلم يعدْهم بمُلك، أو سيادة، أو مناصب أو علو في الأرض، أو استئتار بدنيا أو مغانم.

9) البيان السياسي :

روى الإمام أحمد عن جابر مفصلا : قال جابر : قلنا يا رسول الله، علام نبايعك؟!

قال :

1) على السمع والطاعة في النشاط والكسل

2) وعلى النفقه في العسر واليسر

3) وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

4) وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم

5) وعلى أن تنصروني إذا قدمتُ إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.

وفي ابن اسحاق : فقلنا له -أي للعباس- قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخُذْ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله ، وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال :

>أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم<.. ثم قال أبو الهيثم : يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظْهَرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعَنا؟!

فتبسم رسول الله  ثم قال : >بلْ الدّمَ الدَّمَ والهدْم الهدْم، أنا مِنْكُم وأنْتُم مِنِّي أُحارِبُ مَنْ حَاربْتُم وأُسَالِمُ من سَالمْتُم<.

إن بنود البيان واضحة لا تقْبَلُ التّمييعَ والتَّراخِي، حتى يفهم المسلمون بصفة عامة، والدّعاة خاصة، والجادُّون لإقامَة دوْلة الدّعوة بالأخَصِّ :

< أن البيعة على الإسلام شيءٌ

< وأن البيعةَ على قيام دوْلة الدّعوة للإسْلام شيء آخر

فبينهُما فرقٌ كبير.

فالأولى بيعة على الصلاح والتخلُّق والتعفُّف.

أما الثانية فبيعة على الإصلاح، وتكاليف هذه من الأنفس والأموال والسجون والمعتقلات والحصارات والعذابات والاستشهادات والتجويعات والإهانات والاستهزاءات ما لا يُحصى كثرة وتنوعا، ولكن العاقبةَ تغييرُ وجهة التاريخ، وتغيير وجه الحضارة، وتغيير وجهة الإنسانية  التائهة.

للمزيد من الفهم انظر :

1) المنهج الحركي للغضبان من 116 وما بعده.

2) السيرة النبوية للصلابي 404/1 وما بعدها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *