المرحلة الخامسة (1963-1949) ما بعد الهزيمة


ذ. ناجي علوش

كانت هزيمة 1948م هزيمة كبرى بالنسبة للأمة العربية، ولكنها كانت – بالإضافة إلى ذلك – انقلابًا عظيمًا في حياة الشعب الفلسطيني، ذلك أنه لم يحقق أهدافه في التحرر والاستقلال، وشُرِّدَ معظمه من أرضه، وخضع باقيه في الأرض المحتلة لاحتلال شرس جديد، أما الضفة الغربية وغزة، فقد أصبحتا جزءاً من الأردن ومصر سياسيًّا وإداريًّا، وكانت محاولات التكيف مع الوضع الجديد الشغل الشاغل لكل الفلسطينيين، وانقسم الفلسطينيون إلى أربعة أقسام:

الأول – يخضع للحكم الصهيوني من الجليل إلى النقب، وكانت كثافة هؤلاء كبيرة في الجليل والنقب، وضعيفة في يافا واللد والرملة والقدس المحتلة.

الثاني – يتبع الحكم الأردني في الضفة الغربية، وقد أعلنت الوحدة بين الضفتين سنة 1950م وأخذ مواطنو الضفة الجنسية الأردنية، ولكن الضفة كانت تعج بلاجئي 1948م، وقامت من جراء ذلك مخيمات عديدة لا يزال معظمها قائمًا حتى الآن.

الثالث – يرتبط بنظام الحكم المصري في منطقة غزة التي تكدس فيها جمهور كبير من اللاجئين.

الرابع –  يخضع لأنظمة الحكم القائمة في الأقطار التي هاجر إليها، وخاصة في سوريا ولبنان، حيث تجمع عدد كبير من اللاجئين، ومن الشمال والساحل خاصة، وكانت الهزيمة قد أيقظت الرأي العام العربي، فبدأت الانقلابات والنشاطات السياسية المختلفة الاتجاهات، فوجد الفلسطينيون أنفسهم – رغم ظروفهم الجديدة – جزءاً من النشاط السياسي العام على مختلف اتجاهاته، ففي هذا الوضع الجديد ظل هم مقاومة الصهيونية قائمًا، ولكن أشكاله اختلفت وتعددت، ومن ثم تطورت في كل الاتجاهات.

اتجاهات المقاومة في المرحلة الخامسة

وقَّعَت الدول العربية اتفاقات الهدنة سنة 1949م، وَحُلَّت قوات الجهاد المقدس، وراحت حكومة عموم فلسطين والهيئة العربية العليا تصدران البيانات، وتجريان الاتصالات. وفي هذا الوقت كانت المقاومة الفلسطينية تتخذ ثلاثة أشكال:

الأول – الاستمرار في المقاومة للدفاع عن الأرض والهوية، ولتكوين أُطر مقاومة سياسية في الأرض المحتلة الخاضعة للعدو الصهيوني، وهنا كان الدفاع عن الأرض والهوية في رأس الأولويات، واتخذ أشكالاً سياسية وثقافية أساسًا، وكان إنشاء حركة الأرض جزءاً من هذه المقاومة.

وفي الوقت الذي كان فيه الشعب الخاضع للاحتلال الصهيوني يبحث عن سبل المقاومة الأكثر نجوعًا؛ كان اتجاهان رئيسيان ينموان على الأرض؛ أولهما اتجاه الجماعات التي تحاول بلورة اتجاه دفاع عن النفس عبر قبول قيام الدولة الصهيونية، والمطالبة بحقوق أقلية، كما فعل الحزب الشيوعي الإسرائيلي وأغلبيته العربية التي تحولت إلى حزب “راكاح” فيما بعد. ثانيهما الاتجاه العربي الذي كان يراهن على التطورات العربية في العواصم العربية، وكان هذا هو الاتجاه الشعبي الأوسع، وفي النخب السياسية الطافية على السطح.

الثاني- اتجاه المقاتلين الذين ظلوا يقاتلون دون قيادة، وكان يلتقي مع هؤلاء رجال يقومون بالتردد على قراهم ومدنهم لاستعادة ما خبؤوه أو خبأه غيرهم، أو للسطو على مستوطنات العدو، وكان هؤلاء يقومون بعمليات عسكرية.

وقد التقى بعض هؤلاء في غزة وسوريا ولبنان والأردن؛ بمن يشجعهم من القوات العربية، وخاصة بعد 1954م، فأخذوا يقومون بعمليات ذات أبعاد سياسية وعسكرية وخاصة بالعلاقة مع مصر سنة 1956 -1955.

وتشير تقارير وزارة خارجية العدو بأنه تعرض منذ توقيع اتفاق الهدنة سنة 1949م وحتى حرب 1956م ما مجموعه 7850 حادثًا في الجبهة الأردنية، وثلاثة آلاف في الحدود مع غزة ومصر، و600 في الحدود مع لبنان، وقد قدمت الحكومة الأردنية سنة 1954 – 1955 ما مجموعه 997 شخصًا للمحاكمة بتهمة التسلل عبر الحدود، وقد أخذ هذا “التسلل” ملامح جديدة سنة 1956-1955.

وتعالت الدعوات منذ 1957م في أوساط الشتات الفلسطيني إلى الإعداد لبدء مقاومة مسلحة، وولدت في هذا الوقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” ومنظمات وجبهات أخرى، واتجه حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب إلى إنشاء هياكل عمل فلسطيني في صفوفهما.

الثالث – اتجاه مقاومة الإمبريالية، والأنظمة العربية التابعة التي التقت فيه الحركة القومية كلها والأحزاب الشيوعية والقوى الوطنية عامة، وكان هذا الاتجاه يرى أن مقاومة الإمبريالية عامة وإسقاط الأنظمة المرتبطة بها؛ هو الطريق لتحرير فلسطين.

وقد شارك الفلسطينيون في الضفة وغزة وفي شرق الأردن وسوريا ولبنان، حيث كانوا في المعارك التي خاضها هذا الاتجاه، وكانت مشاركتهم كبيرة بالنسبة لعددهم، وكان اشتراك الفلسطينيين في أحزاب الحركة القومية والأحزاب الشيوعية كبيرًا من حيث النسبة، وكانت قيادات حركة القوميين العرب تضم عددًا كبيرًا وبارزًا من الفلسطينيين.

إن هذه المرحلة لم تكن مرحلة مقاومة مسلحة أساسًا، وكان الذين عملوا في المقاومة المسلحة من بقايا المقاتلين السابقين الذين جندوا مقاتلين جددًا، وكانوا يعملون بدافع الاستمرار أو نتيجة النقمة على وضعهم الجديد، ولم تكن تُوَحِّدُهم قيادة أو برنامج سياسي، وكان بعضهم على استعداد للعمل مع القوات العربية المعادية للصهيونية في سبيل الحصول على السلاح وحماية الظهر.

ولكن هذه المرحلة، ومنذ 1957م خاصة؛ شهدت حوارات وصراعات سياسية بين التركيز على الوحدة أو التشديد على التحرير، وبين بناء الأحزاب أو بناء مقاومة، وتداخلت في هذا السجال قضايا أيدولوجية وسياسية وعملية، وكان الاتجاه القومي يدعو إلى الوحدة ويعتبرها الضرورة الأولى وطريق تحرير فلسطين، وكان الاتجاه الشيوعي يرى المعركة مع الإمبريالية هي الأساس. وهنا برز اتجاه فلسطيني يرى في ذلك كله شتاتًا، ويدعو إلى بناء تنظيمات فلسطينية مقاومة، ولقد أخذ القوميون يتجاوبون مع هذه الدعوة في أواخر الخمسينيات، وفي دوامة هذا السجال ولدت حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة فيما بعد.

لقد غلب على هذه المرحلة الحوار والنشاط التنظيمي والسياسي ولم تحتل المقاومة المسلحة موقعًا بارزًا فيها، وكانت الدعوة للمقاومة المسلحة وإحباط مخطط التصفية والانتقال من الكلام إلى العمل؛ هي الغالبة في الأدب السياسي لهذه المرحلة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *