القناع و”الـماسك”


مفردتان تعكسان بصدق مأساة الازداوجية اللغوية في بلدنا العريق،  القناع و”الماسك” مفردتان تدلان على نفس المعنى، فقط أن اللفظة الأولى هي بلغة المتنبي وابن زيدون والسجلماسي، والثانية بلغة لامرتين وموليير وبودلير. ومن الغريب أن لغة بودلير وجدت طريقها إلى ألسنة المغاربة طبعا لا في هذه اللفظة فقط، ولكن في العديد من الألفاظ التي طغت على ألفاظ اللغة العربية بشكل مقرف وبئيس، حتى إننا حينما نتحدث كأننا نشعر بأننا لن نكون عصْريين وحضاريين ومتقدمين إن لم نستعمل هذه الألفاظ الأعجمية ونقحمها إقحاماً في كلامنا.

جل المغاربة إذا أرادوا أن يتحدثوا عن القناع قالوا “الماسك”، حتى الأطفال إذا اشتروا لعبة من هذا القبيل، ذكروا بأنهم اشتروا “الماسك” ولا يقولون القناع، لكن هؤلاء الأطفال في متابعاتهم لعدد من برامج الرسوم المتحركة، التي يرتدي أبطال فيها القناع، نجدهم -أي الأطفال- لا يتحدثون عن “الماسك” ولكن يتحدثون عن “القناع”، فيقولون “وضع القناع” و”نزع القناع” و”هو مقنع” وهكذا…  وإن سألتهم ما الفرق بين القناع و”الماسك”، لقالوا : لا فرق. وإن سألتهم أيضا لماذا تقولون القناع هنا، ولا تقولون اشتريت قناعاً، ربما لن يجيبوا جوابا مقنعا، وإن كان لسان حالهم يقول : إنه الإعلام. بما أن هذه الرسوم المتحركة عربية اللسان، فمن البديهي أن تؤثر عربيتها في الأطفال، فيستعملون مصطلحا عربيا صافيا جميلا… لكن في هذا المقام فقط ولكن أين هو الإعلام الذي يحمي هذه العربية من هذا الحمأ المسنون الذي تَرَدّى فيه كلامنا وحديثنا اليومي. كل وسائل إعلامنا المسموعة والمرئية لا تجد فيها قناة نقية صافية خالصة، حتى “إذاعتنا الوطنية” التي من المفروض أن تكون وطنية نموذجية في كل شيء : في لغة الوطن وفي غير اللغة مما يعتز به الوطن من حضارة وقيم، لا نجد فيها ما يحمي هذه اللغة، لأنها هي الأخرى ربما تشعر أنها إذا لم تفعل كما تفعل الإذاعات الأخرى التي طفت في الأجواء كما تطفو، من إدخال للألفاظ الفرنسية في الحديث، وفي الاتصالات مع المستمعين، أقول ربما تشعر أنها إذا لم تفعل ذلك لن يستمع إليها أحد، ولن يتابع برامجها أحد. وهذا هو العجب بذاته.

إن عموم أفراد الشعب المغربي الذين يسكنون في القرى والبوادي، بل وحتى في المدن، وخاصة من الأمّيين -والحمد لله على الأمية في هذه الحال- يفهمون العربية سواء أكانت دارجة مغربية أم عربية فصيحة، إن العامل أو الراعي في البادية يحمل معه المذياع لكي يستمع إلى ما هو وطني بلغته الوطنية، وليس بلغة موليير أو غيره ممن يقلّد موليير

أعرف امرأة عجوزاً أمية، كانت تتابع برامج الإذاعة الوطنية منذ الصباح الباكر، حينما الإذاعة الوطنية تستهل برامجها الصباحية بتلاوة القرآن الكريم وحصة التفسير للشيخ المكي الناصري رحمه الله، وتستوعب كل ما يقال، وهي أمية. لكن حينما أصاب هذه الإذاعة ما أصابها من “العجمة” استثقلت هذه السيدة الاستماع إليها، كما استثقلها الكثيرون.

وفي المقابل حينما أتحدث مع أناس آخرين أمّيين أو قريبين من الأمية لكن يريدون أن تلوك ألسنتهم ألفاظا أعجمية تأثراً أو إعجاباً بما هو سائد دون وعي، أسمع العجب العجاب، فإذا أرادوا الحديث عن شاب قالوا : “جُون” “Jaune” حماكم الله باشباب من هذا اللون، وإذا أرادوا أن يقولو “لاباس” أو بخير ” قالوا “صَابَا”… اللهم توّج علينا هذا العام الفلاحي بـ”صابَا” جيدة، طبعا بلغة المغاربة لا بلغة الغِربَان المقلدين للغة موليير.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *