التـوكـل والأخذ بالأسبـاب


جاء في تفسير القرطبي عند تفسيره قوله تعالى: {وعلى الله فليتوكل المومنون}(آل عمران : 22)، عن سهل بن عبد الله قال : >من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله < وزاد القرطبي فقال : >إن التوكل على الله هوالثقة بالله والإيمان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه  في السعي فيما لابد منه من الأسباب من مطعم ومشرب،وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله المعتادة<(ج4ص189) >وإلى هذا ذهب الصوفية، لكنه لا يستحق اسم المتوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب ، والالتفات إليها بالقلوب، فإنها لا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى والكل منه وبمشيئته”.

التوكل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير، يقال: توكل عليه واتكل، بمعنى استسلم له، ووكل الأمر إليه سلمه وفوضه فيه.

والتوكل المأمور به شرعا هوالثقة بالله تعالى، والاعتماد عليه، يقينا بقضائه وقدره، مع امتثال أمره في السعي واتخاذ الأسباب الموصلة عادة إلى المطلوب. والناظر في القرآن الكريم يجد لفظة “وكل” -ومشتقاتها تكررت نحو أربعين مرة في آيات كثيرة، وهي تأمر بالتوكل على الله سبحانه وتعالى، أوتثني على المتوكلين وتبشرهم بحب الله لهم وأنه حسبهم وناصرهم- يجدها جميعا قد جاءت في موضعها من صفحات الجهاد، ومواصلة العمل في تبليغ الرسالة، واحتمال الشدائد ومواجهة الأخطار، وفي مواطن التحدي للكافرين والمعاندين، وعلى سبيل المثال، قال تعالى:{ومن يتوكل على الله فهو حسبه}(الطلاق : 3). وقوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع آذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا}(الأحزاب : 48).

وقوله تعالى:{قل هوالرحمان آمنا به وعليه توكلنا}(الملك : 29).

التوكل هوحسن الاعتقاد في الله، والاعتماد على فضله، فيما تسعى إليه من الأمور كلها، ومحل التوكل القلب الذي يطلع عليه الله عزوجل، فيعلم صدق التوكل أوزعزعة الشك، وليس معنى هذا ترك الأخذ بالأسباب، بل الواجب أن نأخذ بها معتقدين أن الله تعالى فوق هذه الأسباب وأنه خالقها، وليست مؤثرة بطبعها، فالاعتماد على الله والتوكل عليه بعد الأخذ بها، ولعل انهزام المسلمين في غزوة أحد لعدم أخذهم بالأسباب كمخالفتهم لوصية الرسول .

التوكل يعطي المؤمن قوة وعزة، وهوعبادة وطاعة لله تعالى، وحسن الظن به سبحانه، وهداية من الله ونعمة، وهوعلامة الإيمان الكامل الصحيح. أما التوكل فهومعصية وخروج عن امتثال أوامر الله تعالى، وهوسوء الظن بالله، وضلال وعجز لايثمر شيئا غير الحسرة والندامة، وهوتدمير للفرد والجماعة.

التوكل الحقيقي هوأن يفوض المسلم أمره إلى ربه، ويكتفي به فيه، وبذلك يتحقق معنى الإيمان، حتى قيل: من لا توكل له لا إيمان له ، فالتوكل في حقيقته عمل من أعمال القلب، وليس قولا باللسان أوعملا بالجوارح فقط، فبداية التوكل هي الإيمان. والرسول  يرشدنا إلى ما في التوكل على الله من منافع حين يقول:” لوأنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوخماصا وتروح بطانا”الترمذي.

سأل صحابي رسول الله  قائلا: يا رسول الله، ناقتي أتركها وأتوكل؟ فأجابه  >أعقلها وتوكل<. قال عمر بن الخطاب ] >لايقعدن أحدكـــم عن طلب الرزق، ويقول : اللهم ارزقني، وقد علمتهم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة<. وروي عنه أيضا أنه لقي ناسا من اليمن تركوا العمل بالأسباب، فقال لهم : من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. قال : بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكل من يلقي حَبَّهُ في الأرض ويتوكل على الله عز وجل. قال شاب لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : إني أريد أن أخرج ولا أتزود، فقال له أحمد : ولماذا لا تتزود؟ قال: إني أريد أن أخرج إلى الحج متوكلا. فسأله أحمد: تخرج وحدك أم مع القافلة؟ قال:بل مع القافلة. فقال له أحمد : أنت لا تتكل على الله بل تتكل على أخراج الناس.

قال بعض الحكماء:

توكل على الرحمان في الأمر كله

ولا ترغبن بالعجز يوما عن الطلب

ألم تر أن الله قال لمريم

وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولوشاء أن تجنيه من غيرها

جنته ولكن لكل شيء له سبب

{ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا وإليك المصير}(الممتحنة : 4).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *