الامتحانات التجريبية بين تجربة الامتحان وتجربة الفشل


>في الامتحان يعز المرء أو يهان< مقولة توارثتها الأجيال منذ القديم، ورسخت لديهم أن النجاح رهين بحصيلة المعارف والمهارات التي يكسبها المتعلم خلال فترة معينة، وأن الامتحان، لا مجال للغش فيه، ولا مجال للمتاجرة، ولا مجال حتى لمقدمات من باب >الامتحانات التجريبية<.

أيام زمان كانت أجواء الامتحانات جادة، تتخللها المسؤولية والحزم، والطمع في العزة والرفعة، والخوف من الإهانة نتيجة الرسوب، لأنه الامتحان الذي يعز فيه المرء أو يهان.

ثم دار الزمان دورته فبدأ شعار >في الامتحان يغش المرء أو يهان< بدلاً من الشعار القديم، فبدت أجيال جديدة تترسخ في ذهنها، أن الامتحان رهين بِ”حُصِّل ما في السطور”، أما “ما حُصل في الصدور” فقد أصبح من الماضي التليد، الذي لم يعد يفيد، لضمان غدٍ رغيد، وعيش سعيد فضلا عن راحة البال في سنوات الدراسة بأكملها.

وقد صاحب هذا الشعار الجديد ما اصطلح عليه بالامتحانات التجريبية في المؤسسات الثانوية التي كان الهدف منها نظريا؛ إعداد التلميذ إلى الامتحانات الفعلية النهائية، وتحضيره نفسيا وعمليا ليجتاز الامحانات النهائية بسلام ونجاح.

لكن عوض أن تكون هذه الامتحانات تجربة لخوض الامتحان، أصبحت  تجربة لترسيخ الفشل لدى عموم التلاميذ.

أقسام ومؤسسات أعلن مسيرو الامتحانات فيها للتلاميذ قبل بدْء هذه الامتحانات، ألا داعي للإجابة عن الأسئلة، بدعوى عدم جدوائية هذه الامتحانات، وعدم أخذها بعين الاعتبار في التنقيط العام، بل إنّ بعض هؤلاء المسيرين هددوا التلاميذ الذين يجيبون عن أسئلة الامتحانات بشكل كامل!! ربما لما في ذلك من إزعاج للأطراف المسؤولة؛ تصحيحا وتقويما وإعلان الحصيلة العامة، وبقي العديد من التلاميذ في حيص بيص، بما في ذلك تلاميذ تخصص علوم رياضية، هل يجيبون ويكتبون من باب إرضاء الفضول وتجريب الامتحان، وهم -وخاصة تلاميذ التخصصات العلمية- الذين يراد لهم أن يتكونوا بالتجربة والدّربَة والتطبيق، وفي ذلك إغضاب لمن “نصحوهم” بعدم الكتابة أم يجتنبون الإجابة إرضاء “للناصحين”، وفي ذلك إقبار لرغبة دفينة ودفن حبِّ تطلع لتجربة حصيلة معلومات فهما واستيعاباً وعرضاً.

إنها تجربة للفشل بامتياز، فشل طريقة الامتحانات، وفشل لطرق التدريس وطرق التقويم، وفشل للكفايات التربوية البشرية، بعد أن طغت دروس المساء والدروس الخاصة على الدروس الرسمية، فأصبحت التجارب تجرى على الطرق المثلى التي يتمكن فيها أصحاب الدروس الخاصة من ضمان دخل أكبر، أما تعويد التلاميذ على إجراء تجارب أو المرور بها، فليس في ذلك دخل، ولذلك فلا داعي لإضاعة الوقت فيه.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *