بشائر جليلة من أحداث “غزة”


في خضم الأحداث الصعبة الدائرة في قطاع غزة، وفي ثنايا القتل والتدمير الهمجي الوحشي، تبدو المنح الإلهية، وتبرز  الآمال، في صور عدة أريد أن أوجزها في التالي، إحياءً للآمال في النفوس، وتعظيماً للثقة بالله تعالى في النصر والتمكين :

أولاً : إن الذي يقود المقاومة في فلسطين هم المجاهدين أصحاب المنهج الصحيح، وعهدنا بفلسطين في زمن الذل والهوان في الستينيات والسبعينيات أن من يقود المقاومة فيها هم القوميون والناصريون والعروبيون واليساريون.. إلى آخر هذه التنظيمات التي لم تزد هذه القضية الفلسطينية إلا هواناً، ثم انقلب هؤلاء المقاومون إلى مسالمين مهادنين وكادوا أن يبيعوا فلسطين لو لم ينجدها الله تعالى بأبطال >حماس< الذين أعادوا فلسطين إلى المسلمين كافة وأعلوا فيها راية الجهاد بعد غياب طويل، وهذه بشرى وأي بشرى! والأمل عظيم أن تستمر مقاومة المجاهدين حتى يفتح الله على أيديهم كل فلسطين.

ثانيا : الثبات والصبر العجيبان اللذان أبداهما أهل غزة، فلا تكاد تسمع إلا حمداً، ولا تكاد ترى إلا ثباتاً وصبراً، ولا أدري والله أهذا شعب خُلق فريداً عن شعوب أهل الأرض أم أن التربية التي أخذوا بها صقلتهم وهذبتهم إلى هذا الحد؟! وأرى -والله أعلم- أن هذا الشعب هو حائط الصد العظيم الذي أقامه الله تعالى في وجه اليهود حتى يذهب مشروعهم من الفرات إلى النيل أدراج الرياح، ولله الحمد والمنة، فيجب علينا مساعدتهم والوقوف معهم بكل ما نستطيع ونملك.

ثالثا : الموقف التركي العجيب من أحداث غزة الذي وقفه كثير من الساسة الأتراك وعلى رأسهم رئيس الوزراء >رجب طيب  أردوغان< هذا الموقف لا نعرفه لساسة أتراك في المائة عام الماضية إلا للسلطان عبد الحميد يرحمه الله تعالى، لكن كان ذلك موقفاً فريداً من السلطان، وربما لم يسانده فيه كبير أحد، بينما تكاتف كثير من الساسة الأتراك وتضافروا ضد أحفاد القردة، وسمع الناس من >أردوغان< كلاماً لم يُسمع من مسؤول عربي أو مسلم حتى الآن، فمما قاله : إن أجدادي العثمانيين حموا أجدادكم، ومن واجبي -وأنا زعيم لأحفاد العثمانيين وليس زعيم دولة عادية- أن أقول لكم هذا القول. وهذه مقولة خطيرة قالها >أردوغان< ولها دلالاتها الكثيرة، وهو قول لم يجرؤ مسؤول تركي أن يقوله من قبل.

وقال :إن قضية فلسطين هي قضية إنسانية ولا يمكن السكوت على ما يحدث!!

وقال >أردوغان< لـ>ليفني<، و>باراك< إن ما تقومان به ليس دعاية انتخابية إنما هو بقعة سوداء في تاريخ الإنسانية، وإن التاريخ سيحاسبكما.

وقال كلاماً كثيراً لم نسمع عُشر معشاره من مسؤول تركي من قبل، ويكفيه أنه المسؤول المسلم الوحيد الذي قام بجولة مخلصة من أجل فلسطينيين.

وسمعنا أن رئيس البرلمان افتتح حساباً للبرلمانيين للتبرع لفلسطين.

ولعلنا نقف على أعتاب مرحلة زمنية مباركة تعود تركيا فيها لمكانها اللائق بها في العالم الإسلامي.

رابعاً : مواقف الجماهير العربية والمسلمة؛ فالمظاهرات والمسيرات أخذ في التعاظم والازدياد، ولم تقتصر على عامة الناس، بل خرج فيها سياسيون ومحامون وأطباء ومهندسون وطبقات وسطى وعليا و دنيا من الناس، والشعارات التي رددت فيها تدل على ازدياد الوعي والنضج والفهم.

وقد تجاوزت الجماهير قضية المظاهرات فهبت لتقديم التبرعات العينية والأموال، وطلبت من المسؤولين فيتح المعابر والتطوع الطبي، وتجاوز ذلك آخرون إلى المطالبة بالمشاركة في الجهاد، وربما تبرز قضايا أخرى أخطر في الأيام والأسابيع القادمة.

وأعجب مظاهرة رأيتها على الإطلاق كانت مظاهرة إسطنبول التي خرج فيها قرابة المليون شخص، وعهدنا بتركيا أنها بعيدة كل البعد عن هذا، وأنها قد قطعت صلتها منذ عهد بعيد بالعالم الإسلامي وأحداثه، ففوجئت برؤية المتظاهرين وبكائهم ودعائهم وتضرعهم، وسمعت بعض كلام  المتكلمين فعجبت، وعلمت أن تركيا مقبلة على عهد جديد سياسياً وشعبياً والله أعلم.

خامساً : خرج في وسائل الإعلام رجال سياسيون ومحامون وناشطون في مجال حقوق الإنسان ورؤساء جمعيات وغيرهم، تكلموا بكلام قوي غاية في النضج السياسي والعاطفي، وأدانوا بقوة ما يجري في غزة، من الناحية السياسية والقانونية والإنسانية، وهذا كله يساهم في تأسيس الوعي لدى المشاهدين والمستعمعين بما يجري، ويساعد على تحريك الجماهير بعمل شيء، وهذا عمل عظيم مهم، وهو من باب جهاد الكلمة.

سادساً : برزت قنوات إعلامية تنقل الخبر الصادق وتظهر الصورة الواضحة لما يجري، وهذا من حسنات هذا العصر إذ كانت مشكلة المسلمين في القرن الماضي التعتيم الإعلامي الذي لا يساعدهم على معرفة ما يجري، ومن ثم فقد كان تحركهم محدوداً إزاء الأحداث العظيمة، أما في هذه الأوقات فالإعلام ينقل ما يجري بدقة متناهية، وعلى مدار الدقائق وليس الساعات!!

وعلى رأس تلك القنوات >قناة الجزيرة< التي لها مني كل الشكر على نقلها الإعلامي المتميز.

سابعاً : موقف بعض العلماء كان مشرفاً وقوياً، فمن مشاركة في المظاهرة، إلى كتابة للبيانات، إلى خطابة في المساجد، إلى ظهور في القنوات ووسائل الإعلام الأخرى، فيما يعد قيادة جزئية للجماهير هي في أمسّ الحاجة إليها، لكن ما زال أكثر العلماء وطلبة العلم لم يقوموا بواجبهم، ولم يتحركوا التحرك المطلوب منهم ولا عُشر معشاره، ولا أدري كيف حدث هذا وهم أعلم الناس بسير العلماء العظام قديماً وحديثا؟ وهم يعلمون أن العلماء هم صمام الأمان للمجتمعات، وهم القيادة الحقيقية للجماهير في زمن عجز الحكام وضعفهم.

– وأختم بالثناء العاطر على مجاهدي غزة عامة ومجاهدي >حماس< خاصة، فقد أظهروا ثباتاً عظيماً في وجه أحفاد القردة، ونالوا منهم، وأرسلوا صواريخهم الرائعة على عدد من مدن فلسطين المحتلة، وألقوا في قلوب أولئك المجرمين الرعب والذل، ومصداق هذا في قوله تعالى : {ولا تهِنُوا في ابْتِغاء القوْم إن تكُونُوا تألمُون فإنّهم يالمُون كما تالمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما}(النساء)، وقوله تعالى : {قاتلُوهم يُعذّبهم الله بأيْديكم ويُخزهم وينصُركم عليهم ويشْف صدُور قومٍ مومنين. ويُذْهب غيْظ قلُوبهم  ويتوب الله على من يشاءُ واللّه عليم حكيم}(التوبة).

إن هذه الآمال والبشريات التي ذكرتها هي مقدمة لآمال وبشريات أعظم، إن شاء الله تعالى، كما أن هذه الأحداث هي مقدمة -والله أعلم- لأحداث أعظم، وإني لأرى -والله تعالى أعلم- من بين ثنايا هذه الأحداث بداية لحسم الصراع الطويل مع حفدة القردة، وأرى -والله أعلم- أن هذه أحداث ممهدة ومقدمة لأحداث آخر الزمان والله المستعان وعليه التكلان.

> مجلة المجتمع ع 1835

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *