وجاهدهم به جهاداً كبيرا


منذ أمد بعيد وجيوشا تتلقى الهزيمة تلو الهزيمة، ودولنا تتساقط أمام العدو واحدة إثر واحدة كأوراق الخريف، ونحن ننتقل من ذل إلى ذل، إلى أن تكلمت غزة قائلة : نحن أمة العزة، نحن أمة الكرامة! وسندفع الذل عن أمتنا بكل ما نملك من قوة.

لقد كان الناس قبل زمن الاستعمار وبعده إلى حين سقوط بغداد يقاتلون تحت شعار القومية والعروبة حينا وتحت شعار الحِرَفية والمهنية حينا آخر،  كانوا يقاتلون باسم الحرية تارة وباسم العدالة تارة أخرى.. قاتلوا تحت عناوين مختلفة وشعارات عديدة، كانت تنتهي دوما بالهزيمة المنكرة، فسقطت الخلافة واحتلت بلاد الإسلام، ونهبت خيراتها وسرقت ثرواتها، وشوهت ثقافتها، وصارت تابعة وعالة على  غيرها، ذليلة وحقيرة في عيون أعدائها!!

أما اليوم فنحن أمام نوع آخر من أبناء الأمة، نحن أمام فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى، نحن أمام فتية تربوا على كتاب الله وقرروا الجهاد في سبيله تحت راية القرآن، وعلى هدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. ولذلك نرى -ويرى العالم كله- شيئا جديداً لم يكن يتوقعه في إدارة القتال، والثبات في الميدان!

إن المجاهدين في غزة واعون أن القضية لم تكن في يوم من الأيام قضية عُدة ولا عتاد، فالمطلوب في العتاد هو المستطاع فقط {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}(الأنفال : 61).

واعون أن القضية لم تكن في يوم من الأيام قضية قلة ولا كثرة، فلا القلة جلبت الهزيمة في بدر {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة}(آل عمران : 123) ولا الكثرة أتت بالنصر يوم حنين {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين…}(التوبة : 25).

وإنما القضية قضية دين ويقين، قال تعالى : {قال الذين يظنون (أي يوقنون) أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة  غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله}(البقرة : 247- 249) هو القتال تحت راية الإيمان إذن، هو القتال الذي يطلب أصحابه إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة، هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هو القتال إيمانا بأن الله فرضه لتحرير البلاد وأوجبه لإنقاذ العباد، هكذا رأى فتية غزة القضية، وهكذا تحركوا.. وهكذا اكْتشَف العالم فجأة أن هناك نوعا جديداً من الرجال هم مفتاح النصر لهذه الأمة إن شاء الله وشارة الهزيمة لأعدائها، إنهم أحفاد الإمام الشافعي رحمه الله أبرز سماتهم، وأوضح صفاتهم : أنهم يحفظون القرآن ويعمرون المساجد.

فهل يعي مسؤولو الأمة اليوم بعد درس غزة البليغ أن النصر ليس بالقوة، ولا بالشعارات، ولا بالتحالف مع الظالمين والملحدين، وقد جربوا كل ذلك ولم يغن عنهم شيئا، ولا باستجداء دول ومجالس وتجمعات أسست يوم أسست لنصرة الظالم، والضرب على يد المظلوم؟ وإنما النصر -كما هو واقع اليوم في غزة المجاهدة الصامدة- بالقرآن الكريم.

يا قومنا : إن أهل غزة لم ينجحوا في جهاد المدافع إلا بعدما نجحوا في جهاد الجوامع، ولم ينجحوا في جهاد الميدان إلا بعدما نجحوا في جهاد القرآن، وصدق الله إذ يقول : {وجاهدهم به جهاداً كبيرا}(الفرقان : 52) فهل أنتم معتبرون؟!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *