نكبة غزة وواجب المسلمين


د. رضوان ابن شقرون
الخطبة  الأولى

الحمد لله تعطف بالعز وقال به، الحمد لله لبس المجد وتكرم به، الحمد لله أعز من اعتز به وسار على نهجه وجاهد في سبيله، وأذل من اعتز بغيره واعتد بغير عزته وجلاله؛ نحمده سبحانه وتعالى ونشكره، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وجعله بشيرا ونذيرا لجميع خلقه، وأكرم عباده بإكمال دينه على يده وبوحيه، ورضي الإسلام للإنسان دينا خالصا لربه، ووعد المجاهدين المخلصين في سبيله بتأييده ونصره؛ وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، إمام المهتدين وخاتم النبيين وتاج المرسلين والرحمة المهداة إلى العالمين، علمنا منهج الحياة في عزة وكرامة، وسن لنا طريق الجهاد لنصرة الدين والأمة، وأرشدنا إلى العمل بجد وإخلاص ويقين.  وعلى آله الأكرمين وعلى زوجاته الطاهرات أمهات المومنين، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين وعن كل من اقتفى أثرهم واتبع سبيلهم واهتدى بهديهم ودعا بدعوتهم وجاهد بجهادهم إلى يوم الدين. من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى ومن يعص الله ورسوله فقد ضل وغوى واعتدى وما ضر إلا نفسه وما ضر من أحد أبدا، فالزموا عباد الله تقوى الله وطاعته، واعتصموا بحبله، واتبعوا منهج كتابه المبين، وسنة نبيه المصطفى الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فإنه جل جلاله يقول في كتابه الكريم: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، ويقول سبحانه وتعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، ويقول عز من قائل: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}.

وإن من أهم مقتضيات التقوى والاعتصام أن يهتم المسلم بحال أمته، ويهب لنصرة دينه، ويعنى بأخيه المسلم في محنته، ويشد أزره في مصابه، فكيف إذا تعرضت الجماعة من المسلمين للعدوان والطغيان، وبالغ العدو في القصف والقتل والهدم والتخريب!!

فهذه جيوش الاحتلال الطاغية ما تزال تواصل عدوانها على أرض فلسطين المقدسة، وعلى شعب فلسطين الأعزل في غزة الجريحة، وهؤلاء إخوان لنا ما يزالون يعانون القتل والتشريد في تضحية وثبات وصمود وجهاد، في مواجهة الجبروت والهدم والتخريب والتشريد..

يمارس أعداء الإنسانية ذلك بتقنيات عالية وأسلحة فتاكة وقصف ظالم متواصل جوا وبرا وبحرا، وكأنهم يواجهون جيشا عتيدا أو فيالق مدججة أو جحافل مجهزة، لا شعبا فقيرا بئيسا أعزل قد أنهكته غطرسة العدو وعدوانه، وجوعه حصاره وعناده، ضاربا عرض الحائط بكل مبادئ الإنسانية، وبقرارات الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، ومتنكرا لكل أوفاق حقوق الإنسان وقواعد الحروب وأوفاقها!!

كل ذلك يجري والعالم كله يتفرج، وأصحاب القرار في المنظمات الدولية يكتفون في أحسن الأحوال بالشجب والاستنكار، بينما الظالم المعتدي يتمادى في طغيانه، وينتهز فرصة الصمت الدولي والعجز والتشرذم العربي لمزيد القتل والتخريب، متناسين أن الله عز وجل {يحب الذين يقاتلون فـي سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}. فعلى المسلمين حيثما كانوا أن يهبوا لنصرة هؤلاء المستضعفين المظلومين ومساعدتهم بكل ما في المستطاع، كلٌّ من موقعه وبحسب إمكاناته وطاقاته، فالمسؤولية مشتركة والتضامن بين المسلمين فريضة، ولا يجوز للمسلم أن ينعم بالحياة أو يحتفل برأس سنة ولا بمناسبة بهيجة وفي ركن من أركان العالم الإسلامي شعب يباد وأسر تشرد ونساء ترمل وأطفال برآء يقتّلون..

وإذا سألت: ما الذي يمكن أن أفعل وأنا المواطن العادي الذي لا يملك قرارا ولا قوة ولا قدرة على فعل؟ وما ذا يؤثر فعلي وموقعي الجغرافي بعيد وكل ما لدي غيرة على الدين وإحساس بهموم الأمة؟ وقوة العدو فائقة وقدراته بالغة!؟

فاعلم أن قوة الظالم إنما هي في ضعف المظلوم، وأن العدة والعتاد مهما عظم فلن يكون له أثر إذا اعتصم المسلمون بالإيمان واليقين، وراجعوا أنفسهم وعلاقاتهم، وأحس كل واحد منهم بالمسؤولية، و{ما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم}، والمسلمون مأمورون بالوحي بأن يستعدوا بما يناسب من الأسباب، قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم}. ثم يتوكلون على الله ويطلبون نصره.

فبإمكان كل فرد أن يؤدي رسالته ويقوم بواجبه ويقدم لإخوانه المستضعفين ما يستطيعه؛ ومما يستطيعه كل واحد:

– أن يستوعب القضية الفلسطينية باعتبارها قضية الأمة جمعاء

– وأن يدرك أن المسلمين في العالم كله مأمورون بالتعاون فيما بينهم والتآزر والتضامن والتناصر، واجتناب الفرقة والتخاذل والتهاون.

– وأن ينتبه إلى أهداف الصهيونية العالمية التي تعمل على استضعاف غير اليهود ونشر الإلحاد والضلال والفساد والمحرمات بينهم وفي مجتمعاتهم فيَحْذَر ذلك ويحَذِّر منه

– وأن ينشر الوعي بالدين وقوة الإيمان في الأوساط الصغيرة والكبيرة، القريبة والبعيدة

– وأن يبذل العون المادي للمنكوبين والمشردين والمصابين بآثار هذه الحرب الغاشمة: فـ(الله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه)

– أن يقاطع مقاطعة عامة وشاملة جميع بضائع العدو وجميع بضائع ومنتجات كل دولة تتعاون مع الظالم على العدوان أو تمده بالسلاح أو المال أو المواقف، والتعريف بهذه المنتوجات لتعميم مقاطعتها

– أن ينيب إلى الله ويكثر من التوبة ومن الاستغفار

– أن يدأب على الدعاء للمجاهدين بالعون والنصر في السجود وفي جوف الليل وفي كل الحالات، فقد وعد الله عز وجل بإجابة الدعاء إذا صدر عن إيمان ويقين، أو عن العادلين والصائمين والمظلومين، قال  : >ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين<(1).

أما الحكومات والدول والهيئات والمنظمات والحكام فلهم أعمالهم وعليهم واجباتهم، ولا يتحلل من المسؤولية أي منهم.

فاللهم يافارج الهم وكاشف الغم مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمنا فارحمنا برحمة من عندك تغنينا بها عن رحمة من سواك يا أرحم الراحمين، وانصر عبادك المستضعفين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الكون ومدبر الكائنات، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه،

إن مطلع هذا العام الهجري الجديد قد حل بالأمة الإسلامية وهي في ضعف وهوان، وحري بكل مسلم أن يذكر في هذه المناسبة ظروف جهاد الرسول الأمين سيدنا محمد  والمومنين معه لما تفاقم عليهم الطغيان واشتدت عليهم الإذاية، فبحثوا عن مكان آمن للدعوة معين على أداء رسالة الحياة وخلافة الله في أرض الله، وقد تولى الله عز وجل نصرهم لأنهم خرجوا مهاجرين في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله وانتصارا لدين الله، قال تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما فـي الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم}(التوبة 9/ 40)، ثم عقب سبحانه وتعالى على ذلك بأمر صريح للمسلمين بالنفرة والمغالبة والإقبال على نصرة دين الله وبذل المستطاع في سبيل الله فقال عز وجل: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فـي سبيل الله، ذلكم خــير لكم إن كنتم تعلمون}(التوبة 9/ 41)، ونحن مسؤولون عن العمل وأما النتيجة فمن الله، {وما النصر إلا من عند الله}، وليس على الإنسان أن يفكر في قوة العدو أو تهويلها إلا بقدر ما يمكنه من الاستعداد لها، ولا في أهدافه وغاياته إلا من أجل أن يحسب الحساب لها ويتهيأ لمواجهتها؛ ولكن الله عز وجل تكفل بالنصر والتأييد للمخلصين والصادقين وبإتمام نوره وإظهار دينه ولو كان الأعداء ما كانوا قوة وعتادا ومكرا: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويابى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافـرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون}(9/ 32 – 33)، فقد كان الكفار والمشركون في عهد النبوة على قدر كبير من المكر والقوة والعناد والتفوق المادي والجهازي، ولكن بإخلاص المومنين وتآلفهم وتآزرهم استحقوا نصر الله وعونه، وبهم أعز الله دينه على ضعفهم وقلتهم عددا وعدة.

فياأيها المسلمون، لنتدبر جميعا قول الحق سبحانه وتعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المومنون}(3/ 160)، ولنتوكل على الله بكل جوارحنا، ولنقف مع إخواننا المجاهدين في سبيل الله بكل ما في طاقتنا ووسعنا، ولنرفع جميعا أكف الضراعة إلى الله ربنا متضرعين في خشوع ويقين.

اللهم إن إخواننا في غزة الجريحة يعانون القتل والدمار والخراب على يد الطغاة المتجبرين والغزاة المعتدين، ولا من معين ولا من مغيث سواك يا كريم؛ اللهم إن هناك أطفالا تقتّل، ونساء ترمل، وأسرا تشرد، وحرمات تنتهك، وشبابا يغتال، وشيوخا تهدم عليهم بيوتهم، وخرابا مدمرا، وإبادة تراد بالمسلمين في غزة لا لشيء إلا لأنهم يقولون ربنا الله، ويتمسكون بأرضك المقدسة التي باركت حولها، وهم يقدمون أرواحهم وأموالهم وديارهم وأبناءهم في سبيل الله ومن أجل تحرير فلسطين والقدس والمسجد الأقصى من دنس أقدام الغدر والظلم والإجرام.

فاللهم نصرك المبين للمسلمين في غزة وفلسطين، اللهم عونك المكين، اللهم عزتك وقوتك، اللهم عونك للمجاهدين وثباتك لعبادك المومنين، ورحمتك للشهداء الأبرار، اللهم أكرم نزلهم واجعل الجنة مأواهم، وصبر أقاربهم. اللهم اهد المسلمين في العالم لمساعدة الفلسطينيين المجاهدين، اللهم هذه أرضك التي باركت حولها، وأرسلت أنبياءك فيها، وأسريت بحبيبك محمد  إليها وعرجت به إلى سماواتك العلا منها، قد دنستها أقدام الغدر الآثمة، وعاث فيها المفسدون في الأرض بألوان الفتنة الباغية، اللهم فحررها من عبث العابثين وطهرها من دنس الفاسدين المفسدين.

اللهم اجعل بلدنا هذا بلدا آمنا وسائر بلاد المسلمين، وانصر المخلصين من قادتهم والصادقين من ولاة الأمر فيهم، ووجههم إلى ما فيه خير البلاد والعباد ووفقهم لخير الأمة ومصلحتها وعزتها. اللهم اجمع كلمة المسلمين، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وأعل بهم كلمة الحق والدين، وأعن إخواننا المجاهدين المسلمين في كل مكان وارحم شهداءهم وثبتنا بالقول الثابت ولا تفتنا بعدهم. اللهم إنا نسألك الأمن في البلد، والإصلاح في الولد، والعافية في الجسد، ونسألك اللهم أن تجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقائك.

وانصر اللهم من قلدته في أرضك أمر عبادك عبدك الخاضع لجلالك أمير المؤمنين محمدا السادس، نصرا مؤزرا تعز به الدين، وتقهر به الفساد والمفسدين، وترفع به راية الحق المبين، اللهم أره الحق حقا وارزقه اتباعه، وأره الباطل باطلا وارزقه اجتنابه، واحفظه في ولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد عضده بأخيه الأمير المولى رشيد، وأحطه بعنايتك، واحفظه من بطانة السوء، وقرب إليه أهل الخير والرشد والصلاح والإصلاح.

ويغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

———

(1) ت، ب في العفو العافية5/343 ، وفي صفة الجنة، ب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها4/236 ح2534،  ح3609.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *