للأنثى مثل حظ الذكرين!


صلاح الدين دكداك

قديما كان عالم الشرع الجليل والفقيه المتمكن ملما بأغلب العلوم و دقائقها، فكان عارفا بعلوم الشرع والفقه والفلك وكان أيضا شاعرا وأديبا وطبيبا وعازفا… وغير ذلك من شتى العلوم والفنون والمعارف، وكان الفقيه يحظى بالتقدير والاحترام من الجميع، لأن المجتمع كان موقنا يقينا تاما بأن هذا العالم الجليل يملك العلم حقا، وينفع المجتمع بفقهه وتوجيهاته القيمة، وكان الفقيه إذا سألته عن حكم لا يعرفه، قال بكل بساطة وبدون أي مركب نقص بأنه لا دراية له به، وتجده بين الفينة والأخرى يتلفظ بعبارات متنوعة تنم عن أخلاق العلم وخصاله الطيبة، وكلها تواضع وتذلل وورع، واعتراف بأنه لا يملك من العلم إلا قليلا، وبأنه لا زال يتعلم و يحاول اكتشاف الحقائق الغائبة و الدفينة، وذلك كله بالرغم من أنه بلغ الدرجات العلا من العلم والفقه.

هذا ومع مرور الأيام والسنين وتغير الأحوال والظروف وتزييف العديد من الحقائق، ظهر في الأفق نوع جديد من (العالمات) و(الفقيهات) (المتمكنات) في علوم الفرائض أو ما يسمى بعلم المواريث، والشيء الفريد في هذا النوع الجديد من (العالمات) أنهن لم يتتلمذن قط على شيخ أو معلم، ولم يسبق لهن أبدا أن درسن علم المواريث، بل تعلمن كل تلك العلوم والكنوز  والدرر في الأحلام، فلما استيقظن من نومهن الثقيل هذا، اكتشفن بأنهن يتقن علم الفرائض أيما إتقان، وأصبحن بعلمهن الغزير هذا يشككن في قطعية العديد من الأحكام الشرعية، ويفسرن الآيات القرآنية حسب ما يمليه عليهن هواهن، ويستدللن بالنصوص الشرعية بدون مراعاة الضوابط و بدون اعتبار للسياق والظروف التي وردت فيها النوازل،  وهكذا فقد أوصلتهن عبقريتهن غير المسبوقة هاته بين عشية وضحاها إلى ما لم يتوصل إليه كبار فقهاء الشرع الإسلامي عبر التاريخ، فطالبن بحماية حقوق المرأة من الضياع  والإجحاف من خلال الدعوة إلى ضرورة المساواة بين الذكر والأنثى في الإرث، كتصريح أولي من بعضهن قبل أن يتبرأن من فكرتهن هاته، كما ركزت دعواتهن أيضا على مراجعة بعض حالات التعصيب في أحكام المواريث، لكن هاته الفئة من (الفقيهات) (الجليلات)(المتمكنات)، نسيت بالرغم من عبقريتها بأن قاعدة – للذكر مثل حظ الأنثيين- ليست على إطلاقها وليست قاعدة عامة، بحيث لا تشمل جميع الحالات التي تلتقي فيها الأنثى بالذكر في مسألة من المسائل، بل هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة ميراثا مثل الرجل أو أكثر أو ترث هي ولا يرث معها منافسوها من الرجال قطميرا!، بمعنى أن (فقيهاتنا)(الجليلات) بأفكارهن وفتاواهن غير المسبوقة هاته سيقللن من الحصة التي سينالها النساء في الإرث بعدما أكرمهن الشرع الحنيف بالحصة المناسبة وكان عادلا ومنصفا معهن إلى أبعد الحدود، وبطبيعة الحال سيكون المستفيد الأكبر والحاصل على حصة الأسد من الإرث هو الرجل، بمعنى أنهن سيجنين على أنفسهن بأفكارهن هاته وسيزدن من تدهور الوضعية المادية للمرأة.

وعلى العموم نتمنى من الجمعيات النسائية  التي تطالب بتعديل بعض أحكام الإرث في الإسلام، بأن يعملن على دراسة هذا العلم القيم والدقيق من كبار شيوخ العلم، حتى يدركن بالدليل القاطع الحكمة من تشريع أحكام الإرث وأن الأمر ليس مجرد عملية حسابية، ويبدو أن بعض النساء عندنا ولله الحمد، لازلن رحيمات بالرجال، وقد طالبن فقط بالمساواة مع الرجل في الميراث، ونتمنى أن لا يأتي يوم يطالبن فيه -لا قدر الله- بأن تحجب المرأة الرجل من الميراث كيفما كانت صفته، و أينما وجدت معه في فريضة أو مسألة ما، ونتمنى أيضا بأن لا يصل جشع بعض النساء وطمعهن في الحصول على نصيب أكبر من الميراث إلى درجة  يطالبن فيها بأن ترث الأنثى مثل حظ الذكرين!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *