فلسفات حقوق الإنسان : الخلفيات النظرية والمآزق الواقعية


أصبحت فكرة حقوق الإنسان اليوم من الأفكار الأكثر رواجا عالميا في جميع المحافل والمنتديات، وأصبحت محل اهتمام الجميع أفراداً وهيآت ودول. كما أصبحت اليوم رهانا إنسانيا عالميا لتحقيق الكرامة الإنسانية ماديا ومعنويا بمختلف مكونات  المجتمع الإنساني. كما أصبحت سلاحاً ذا حدين في ذات الوقت.

وبالرغم من عراقة هذه الأفكار الحقوقية وصلابتها النظرية، وملاءمتها لمطالب الإنسان، فإننا مازلنا اليوم نشهد ترديا لحقوق الإنسان لعل أسباب هذا التردي ترجع إلى عاملين كبيرين في نظري هما :

– الثغرات النظرية في التصور،

– والأخطاء في الممارسة العملية على الواقع.

فما هي الأصول النظرية لفلسفات حقوق الإنسان؟ وما هي أبرز تغراتها وأهم الأخطاء التي لاتزال تعرقل نجاحها؟

1- السياق التاريخي لنشأة فلسفات حقوق الإنسان :

عند الحديث عن حقوق الإنسان من حيث النشأة الفكرية والواقعية يتم ربطها تاريخيا بالفكر الأوروبي الحديث، في صراعه مع الدين (الكنيسة) أولا، وفي صراع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الصاعدة ضد النظام الاقطاعي ثانيا، وفي صراع الطبقات العمالية مع الطبقة البورجوازية، ثالثاوعلى إثر هذه الصراعات  ظهرت في أوروبا في عصر النهضة والأنوار الحركة الإنسية، وهي حركة الغاية منها تمجيد الإنسان وإبداعاته في مقابل اسقاط سلطة الإله والدين ممثلة في السلطة المطلقة والمجحِفة التي كانت تفرضها الكنيسة المسيحية على الإنسان الغربي.

كما تمخض عن الصراع الاقتصادي والسياسي ظهور ثورات اقتصادية وسياسية ضد الطبقات الاقتصادية الرافضة للتغيير وضد الأنظمة السياسية الملكية وأسفرت الثورات في فرنسا وإنجلترا وأمريكا عن التوكيد على كثير من مبادئ حقوق الإنسان كالحق في الحرية والمساواة، والإخاء، والحق في التملك وفي المشاركة السياسية (تصويتا وترشيحاً وتسييراً) والحق في حرية الرأي والتفكير والتعبير، والحق في الحماية القانونية من التعسف، وحرية التنقل وحرية المعتقد والصحافة… كما نصت الثورة الأمريكية على حق الشعوب في تقرير مصيرها على غرار الشعب الأمريكي.

إلى جانب هذه الحركات الاجتماعية والسياسية عرفت حقوق الإنسان ميلاداً فلسفيا في فلسفات عصر الأنوار لدى هوبز، روسو لوك، كانط، وهيجل… وقد كانت هذه الفلسفات النظرية غير منفصلة عن محيطها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي تأثرا و تأثيرا.

وقد تطورت حقوق الإنسان عبر أجيال ثلاثة من الحقوق الاقتصادية إلى الحقوق السياسية إلى الحقوق الثقافية. وأصبحت حقوق الإنسان بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية 1948 بمثابة الوثيقة المرجعية الأساس في النظام الدولي المعاصر، وقد سارعت كثير من المنتديات والاتحادات العالمية إلى إصدار مواثيق حقوق الإنسان مثل : الإعلان الأروبي لحقوق الإنسان، والإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان….

وقد كان لهذه الموجات الحقوقية أثرها الواضح في نشر الوعي الحقوقي، وتوسيع الاهتمام بها وزيادة الوعي الفردي والشعبي بأهمية إقرار كرامة الإنسان وتحقيق السلم والعدل والمساواة. غير أن هذه المطامح الانسانية النبيلة اصطدمت بمجموعة من المآزق و العقبات منها ما يرجع إلى بعض الاختلالات النظرية، ومنها ما يرجع إلى الممارسة الواقعية المشوبة بالتحيز الغربي، وتغليب المصالح السياسية والاقتصادية للقوى العالمية الكبرى، فكيف ذلك؟

2- المآزق النظرية :

لعل من أبرز الإشكالات النظرية التي ارتبطت بفلسفات حقوق الإنسان هي :

أولا : هل حقوق الإنسان تعني العلمانية ومعاداة الدين أي دين كان، مسيحيا كان أو يهوديا أو إسلاميا أو غير ذلك؟ هل ارتباط نشأة حقوق الإنسان بالحركة الإنسية في أوروبا وبالصراع بين الكنيسة، وانتصار الفكرة العلمانية يفرض علينا القول عند تطبيق هذه الفكرة الدخول في نفس مسار الصراع الديني على الطريقة الأوروبية مع الفكر المسيحي؟ حيث يجب علينا نحن أيضا في عالمنا الاسلامي معاداة الدين الاسلامي؟! وهل يمكن الحديث عن الدين الاسلامي وفي منطق العقل عموما عن حقوق الإنسان دون حقوق الله والكون عموما، وحقوق الدنيا والآخرة معا؟.

ثانيا : هل حقوق الإنسان تتلازم مع الفكر الليبرالي، والديموقراطية؟ وبغياب هذا التلازم يتم التشكيك في كل فكر يتبنى فكرة الحقوق دون ربيبتيها (الليبرالية/والديموقراطية؟) ألا يمكن تصور فلسفات لحقوق الانسان خارج المنظومة النظرية الليبرالية الغربية ونظامها الديموقراطي؟

لقد ظهرت بسبب هذه الاختلالات الحركات الاستعمارية التي تولت التنافس فيها الدول الأروبية التي كانت مهداً لنشأة فكرة حقوق الإنسان؟ فهل حقوق الإنسان تسوغ للأروبي استغلال واستعمار الشعوب وممارسة القتل والإبادة والتهجير القسري؟!

وهل حقوق الإنسان اليوم لا تزال تسمح لأروبا والغرب باستغلال خيرات الشعوب فيما يسمى الاستعمار الجديد  العسكري منه والسياسي والاقتصادي و مسخ هويات الشعوب ثقافيا واستنزاف مواردها الطبيعية وحرمانها من طاقاتها العلمية الخبيرة وتهجيرها؟

وهل قيادة الغرب للهيمنة العالمية والتفرد بها ومنع الدول النامية من وسائل التطور يعكس الإرادة الحقيقية في نشر أفكار حقوق الإنسان وعالميتها؟ أم يدل على خصوصيتها ومركزيتها الغربية؟

وهل التعامل المزدوج مع قضية حقوق الشعوب في تقرير مصيرها يعكس موضوعية هذه الأفكار أم يؤكد نسبيتها وعدم إمكان تخلصها من التحيز والتعصب والعنصرية؟ وإلا فلماذا عندما تختار الشعوب الاسلامية قياداتها في انتخابات حرة ونزيهة يتم التدخل لإجهاض الديموقراطية واتهام الحكومة المنتخبة بالتطرف والإرهاب والشعب بالبلادة والغباء وعدم القدرة على تسيير ذاته (حالة حماس في غزة، وحالة جبهة الإنقاذ في الجزائر)؟ ولماذا يتم السكوت عن انتهاكات أنظمة سياسية لحقوق الإنسانية ودعمها والاعتراف بشرعيتها؟ أليس ذلك يعني التدخل السافر في توجيه الأنظمة  السياسية للدول بما يحافظ على مصالح القوى الكبرى عالميا (سياسية أو عسكرية أو اقتصادية).

أليس التعامل مع حقوق الإنسان بمعيار المنفعة والمصلحة يتنافى مع علميتها ومع موضوعيتها؟ وكيف يمكن تخليص هذه الأفكار من الأبعاد المصلحية والفئوية والايديولوجية؟

والخلاصة التي ينبغي التوكيد عليها هو أن أفكار حقوق الإنسان ضرورية لتحقيق كرامة الإنسان المادية والمعنوية، والعمل بها يساعد على تحقيق التعارف والتعاون الإنساني لكن هذه الأفكار وتطبيقاتها العملية لا تزال بعيدة عن تحقيق هذه المقاصد، بسبب تحيزها الغربي على المستوى النظري والعملي، فعلى المستوى النظري يجب تخليص نظريات حقوق الإنسان من طابعها العلماني، والسياسي وفكِّ ارتباطها بالنظام الليبرالي، وتجريدها من التوجيه المصلحي والمنفعي والتعامل المزدوج وتحرير الإنسانية من كل أشكال التبعية والإذلال، وكل عوامل الغزو والمحو، والإيمان بحقوق الإنسان ينبغي أن يتلازم فيه الكوني والخصوصي  منها حق الشعوب في تدبير شؤونها انطلاقا من منتجاتها الثقافية والفكرية ومبادراتها الذاتية. وإلا صارت حقوق الإنسان مجرد وسائل للارهاب و الترهيب، ومسوغات للاستعمار والتدخل العسكري، وذرائع للاقصاء والإبادة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *