مرحلة الاتجاه بالدعوة خارج مكة تعقيبات وتوضيحات ومستفادات


تـعـقـيـبـات وتـوضـيـحــات :

1) جاء في الصحيح عن المسيب : أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي  -وعنده أبو جهل- فقال : >أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحَاجُّ لك بها عند الله< فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة  عبد المطلب؟! فلَمْ يزالا يُكَلِّمانِه حتى قال آخِر شَيْءٍ كلمهم به >على مِلَّةِ عبْد المُطّلِب< فقال النبي  : >لأَسْتَغْفِرَنّ لك ما لَمْ أنْهَ عنْكَ< فنزل قول الله تعالى : {ما كَانِ للنّبِئ والذِين آمَنُوا أنْ يسْتغْفِرُوا للمُشْرِكِين ولوْ كانُوا أولِي قُرْبَى مِن بعْدِما تَبَيّنَ لَهُم أنّهُم أصْحابُ الجَحِيم}(التوبة : 113) ونزل قول الله تعالى : {إنَّك لا تهْدِي مَنْ أحْبَبْت ولكِنّ الله يَهْدِي من يَشَاءُ وهُو أعْلَمُ بالمُهْتَدين}(القصص : 56).

2) قال ابن القيم : >إن رسول الله  بعد أن لم يجد ناصراً في الطائف انصرف إلى مكة -ومعه مولاه زيد بن حارثة- محزونا، وهو يدعو بدعاء الطائف المشهور، فأرِسل ربُّه تبارك وتعالى مَلَك الجبال يسْتَأْمِرُه أن يُطْبق الأخْشَبَيْن على أهل مكة، وهما جَبلاها اللّذان كانت بينهما، فقال  >لا بَلْ أسْتأْنِي بِهِم لعَلَّ اللّه يُخْرجُ مِن أصْلابِهم منْ يَعْبُدُه ولا يُشْركُ به شيئاً< وأقام بنَخْلَة أياماً، فقال له زيد بن حارثة >كيف تدخُل عليهم وقد أخْرجُوكَ، يعني قريشاً، وخرَجْت تسْتنْصِر فلم تُنْصَر، يعني الطائف< فقال  : >يازَيْدُ إنّ اللّه جاعِلٌ لِما تَرَى فرجاً ومخْرَجاً، وإنّ اللّه ناصِرٌ دِينَهُ ومُظْهِرٌ نَبِيّهُ<(زاد المعاد 46/2).

وقال ابن القيم -أيضا- >ثم إنه لما انصرف من الطائف ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من نصرته وتصديقه، صار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال : أنا حليف، والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال له : إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطمع بن عدي -سَيِّد قبيلة بني نوفل- بعث له رجلا من خزاعة : أأَدْخُلُ في جِوارِك؟!، فقال : نعم. ودعا بنيه وقومه وقال : ألبسوا السلاح وكونوا عند أركان بالبيت، فإني قد أجرت محمداً.

فدخل رسول الله  ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته، فنادى >يا مَعْشر قُريْش إنِّي قد أجَرْتُ مُحمّداً فلا يَهِجْهُ أحدٌ مِنْكُم< فانتهى رسول الله  إلى الركن فاستلمه، وصلّى ركعتين وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولَدُه مُحْدِقُون بالسلاح حتى دخَل بيْتَهُ<(زاد المعاد 324/2).

3) روى البخاري عن جُبَيْر بن مُطْعم أن النبي  قال في أسارى بدر : >لوْ كَان المُطْعِم بْنُ عَديٍّ حيّاً، ثمّ كَلَمَني في هؤُلاءِ النّتْنَى لتَرَكْتُهُم لَهُ<.

4) عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله  : >هل أتى عليك يوم كان أشد من أحد<؟! قال : >لقَدْ لَقِيتُ من قومِك ما لقِيتُ، وكَانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ مِنْهم يوم العَقَبَة، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي على ابن عبْد يَالَيْل بن عبد كُلالِ، فلم يُجِبْني إلى ما أردتُّ ، فانْطَلَقْتُ وأنا مهْمُومٌ على وجْهِي، فلمْ أسْتَفِقْ إلاّ بِقَرْن الثعالِب، فرَفَعْتُ رأْسِي، فإذاَ أنا بِسَحابَةٍ قدْ أظَلّتْنِي، فنَظَرْتُ فإذا فِيها جِبْريلُ، فنادَانِي، فقال : إن الله عز وجل قد سمِع قول قومِك لك، ومارَدُّوا عليْك، وقد بعث إليك ملَكَ الجبال لتأْمُره بما شئت فيهم، قال : فنادَى في مَلَك الجبال وسلّم عليّ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قوْل قومِك لك، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثَنِي رَبُّك لتأْمُرَنِي بأمْرِك، فما شِئْتَ؟؟ إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِق علَيْهِم الأخْشَبَيْن؟! فقال له رسول الله  : بلْ أرجُو أن يُخْرج الله من أصْلابِهم منْ يعْبدُ الله وحْده لا يُشْرك بِه شَيْئاً<(متفق عليه).

الـمـسـتــفـادات :

1) إيواء الله عز وجل لرسوله بعد موت خديجة وأبي طالب : إن الله تعالى قال لرسوله  : {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوَى}(الضحى) وقد آواه صغيراً بأمه وجده والمرضعة، وآواه بعمه أبي طالب ثم بزوجه خديجة رضي الله عنها، ولكن الله تعالى يريد أن يُعلِّم الرسول وكُلّ الدّعاة بفقده لعمه وزوجه في عام واحد، أن الاعتماد الحقيقي، والتوكل الحقيقي لا يكون إلا على الله تعالى، فهو الذي يُسَخِّر كُلّ شيء لحماية الدّعوة، وحماية حَمَلة الدّعوة، وفتح الطريق أمام الدّعوة، خصوصاً إذا عرفنا أنه  إذا كان قد حزن على عمِّه وفاءً، وحزِن على زوجه رحمةً ووفاءً، فإن الحُزْن الأكْبر كان على انْسِدَادِ أبواب الدّعوة أمامه بموت عمه، لأن حياة الداعية هي الدّعوة، وفرحتُه هي نجاح الدعوة، ولذلك لم يتوقف  عن الدّعوة رغم اشتداد الأذى عليه.

2) عقول الجاهلية تحتاج إلى عقول : لما قال الرسول  لوَفْد قريش من الأكابر : كلمة واحدة تُعْطُونيها، قالوا و عشر كلمات، فقال لهم : >تقولون لا إله إلا الله وتخْلَعُون ما تعبدون من دونه< فتعجّبُوا وقالوا : {أجَعَل الآلِهَة إلهاً واحداً إنّ هذا لشَيْءٌ عُجاب} فبأيّ عَقْلٍ يفكِّر هؤلاء الذين يريدون أن تكون لهم  آلهة متعدِّدَة؟! مع أنهم يعرفون أن خالق الإنسان والكون واحد؟! ومنزّل الأمطار واحد؟! والمحيي والمميت واحد؟! والرازق واحد؟! والقيُّوم واحد؟!…

فهؤلاء يشبهون أيضا الذين يقولون : الله ثالِثُ ثلاثةٍ؟! فكيف يجتمع هؤلاء الثلاثة؟! وكيف يقتسمون مهامّهم ونفوذَهم؟! وكيف يدبِّرون شأن المُلْك كله؟! والمشركون حديثاً ليسوا أفضل عقلا ورأيا وفكراً من جاهلية قريش؟! إذْ رَغْم تقدُّم الإنسان مادّياً فإن عَقْله مازال متوغّلاً في وحَل الطين، فعلى الدّعاة أن يعْرِفوا صعوبةَ انتقالِ المشرِك من تعدُّد الآلهة إلى عبادة الله الواحد الأحد، ليصْبِرُوا على جُمُودِ الفكر وعلى تحمُّل الأذَى والمشاق في سبيل الإقناع بإفراد الله بالعبودية.

3) ا لهدايةُ بيد الله : لقد حرصَ  على هداية عمِّه، ولكن عمّه اختار الموت على مِلَّة الأشياخ، فقال الله لرسوله  : {إنّك لا تهْدِي من أحْبَبْت} هذه الهداية هي الهداية التوفيقيّة التي جعَلها الله عز وجل بيده لتكون من اختصاص الربوبية {يَهْدِي من يَشَاءُ ويُضِلّ من يَشَاء} {الذِي خَلَق فسوَّى والذِي قدّر فهَدَى}(الأعلى).

أما هِداية الدّلالة على الخير فقد أوكلها الله عزوجل إلى الرسول والدّعاة، قال تعالى : {وإنَّك لتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتقيم صِراطِ اللّه}(الشورى) فهم يدْعُون إلى الله تعالى لإقامة الحجة على المعاندين، وتربية المُستجيبِين.

4) عَدَم الاستغفار للمشركين : لأنهم محكوم عليهم بالإعدام والشقاء، فلا ينفع فيهم دعاء، ولأن الاستغفار للمشركين يَدُلُّ على أن القَلْب مازال يُحِبُّ مع الله من أشْرك بالله وعادى الله، وهذا خَلَلٌ في الإيمان {يا أيُّها الذِين آمَنُوا لا تتّخِذُوا آبَاءَكُمْ وإخْوانَكُم أوْلِيَاءَ إنْ اسْتحَبُّوا الكُفْر على الإيمان}(التوبة ).

5) عالمية الدعوة زمانا ومكانا : خروج الرسول  إلى الطائف، وتبليغُ الدعوة للقبائل يدل على أن الدّعوة لا وطَنَ لها، فهي لجميع الناس، قال تعالى : {فإنْ يكْفُر بِها هَؤُلاءِ فقَدْ وكّلْنا بها قوْماً ليْسُوا بِها بكَافِرين}(الأنعام).

كما أن الدّعوة لازمان لها فهي ليستْ بالنهار فقط، ولا بالليل فقط، ولا بوقت الفراغ فقط، ولكن الدّعوة هي همُّ الدّاعية في كل زمان، فهذا نوح عليه السلام يقول {ربِّ إنِّي دَعَوْتُ قوْمِي لَيْلاً ونهاراً} فماذا نقول للدّعاة الذين يدعون إلى الله في وقت الفراغ فقط؟! أووقت المواسم فقط؟! أووقت الرخاء فقط؟!

6) خروج الرسول  مع زيد دليل الحيطة والحذر : فخروج الرسو ل من مكة إلى الطائف على الأقدام دليل على الحيطة والحذر، لأن قريشا لو رأته خرج راكبا لعرفتْ أنه مسافر لطلب النصرة، وكذلك الأمر بالنسبة لاختيار زيد وحده للمصاحبة والمرافقة، لأن زيْدا ابنُه بالتبنِّي، فمشيُه مع الرسول لا يثير شكوكاً ولا قلقا. وكذلك طلب الرسول  من زعماء الطائف أن يكتموا عنه، كُلّ ذلك حيطةٌ وحذَرٌ من بلوغ تحركاته لقريش، فتزداد إذايةً وعناداً، فعلى الدعاة أن يفهموا هذا.

7) التضرع والدعاء دليل على أن السّنَدَ الحقيقي للدّعاةِ هو الله تعالى : خصوصاً يقول في آخر تضرّعِه >ولا حوْل ولا قُوّة إلاّ بِكَ< فإذا انسدّت أمام  الدعاة أبوابُ الناس فإن باب الله مفتوح.

8) بُعْدَ النظر الدّعوى وخُلُو قلب الداعية من حب الانتقام : فالرسول  عندما قال >بل أرجوا أن يُخْرج الله من أصلابهم من يعْبُد الله وحده<، دليلٌ على خُلُوّ قلْبه  من الحقْد وحُبِّ الانتقام ممن آذَوْه وأساءوا إليه، لأنّه بُعِث رحْمة، ولم يُبعث نِقمة، كما أنه يعرفُ أن مشروعه الدّعوي فيه كُلُّ عنَاصِر الصلاح والإصلاح للإنسان، فإذا لم يُومِن المعانِدُون حاضراً، فإن الأمل مُعلّق على الأجيال المُقْبلة، وهكذا ينبغي أن يعرف الدّاعية ما يحْمل من خير للإنسان، وإن سفّهه السفهاءُ، فليس ذلك دليلا على عَدَم صلاحية الإسلام، ولكِنه دليلٌ على عدَم وجُود الفِطر السّلِيمة، والقلوب الفقيهة.

وهذا على عكس ما مرّ به نوح عليه السلام من تجربة طويلة مع الأجداد والآباء والأولاد والأحفاد فكلُّهم كانوا يحملون قلوباً متحجرة، ولذلك استيأس منهم فدعا عليهم دعاء الاسْتِئْصَال {قالَ نُوحٌ ربِّ إنُّم عَصَوْنِي واتّبَعُوا من لّم يزِدْهُ مالُه وولَدُه إلاّ خَسَاراً ومَكَرُوا مكْراً كُبّاراً} {وقال نُوحٌ ربِّ لا تَذَرْ على الأرْض من الكَافِرِين دَيّاراً إنك إن تَذَرْهُم يُضِلُّوا عِبَادَك ولا يَلِدُوا إلاّ فاجِراً كَفَاراً}(نوح).

9) الداعية إلى الله لا يعِدُ بكرسي أو منصب أو حُكم : لقد طلب بيْحرةُ بن فراس من بني عامر من رسول الله  أن يكون الأمْر لهم إن هُم قاموا معه فانتصر بهم، فقال لهم  >الأمْر إلى الله يضَعُه حيثُ يشاء< حتى يقطع الطريق على الانتهازيين الذين لا مبادئ لهم، وإنما يميلون مع الريح أينما مالتْ، فلا يسْتنكفُوا أن يُتاجِروا بالإسلام وأن يخدعوا الناس للوصول إلى أغراضهم، فالدّعوة دعوة إلى الخير والهُدى، أمّا الحُكْم فهو وسيلة أوّلاً لجعْل الإسلام مطبّقاً، وثانياً لأن الله عز وجل هو الذي يجْعَلُه في يَد مَن يعلم أنه صالِحٌ له {الذِين إنْ مكّنّاهُم في الأرْضِ أقَامُوا الصّلاةَ وآتَوْا الزّكاةَ وأمَرُوا بالمعرُوف ونهَوْا عن المُنْكر وللّهِ عاقِبَةُ الأمور}(الحج) فليحذَرْ الدعاة من الانزلاق في جعل الدعوة وسيلة لبلوغ المناصب والمراكز.

10) ا لاستفادة من حماية غير المسلمين لا تضر مادامت مبادئ الإسلام محفوظة : فالرسول استفاد من حماية أبي طالب، كما استفاد من إجارة المُطعم بن عدي ، مما يدل على أن للمسلمين الحقّ في الاستفادة من الأعراف التي تعطيهم أمْناً وحماية لأشخاصهم وحرياتهم.

أما قول الرسول  >لوْ كانَ المطعِم بن عدِي حيّا ثم كلّمني في هؤلاء النّتْنَى لتركْتُهُم له< فهو دليل على أن مكافأة المعروف بالمعروف جائزة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *