الـمطر الغزير يفضح الغش الكبير!


الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا..

عباد الله :إن الصادقين المخلصين يورِّثون لخلفهم المفاخرَ والمحامد، والفضائل والمكارم، وإن الخائنين الغادرين يورثون لأبنائهم وأحفادهم -الفضائح والمذام، والمخازي والهزائم، وإن رجال الأمس- القريب جداً ورّثوا مفخرة المسيرة الخضراء التي سيُحيي ذكراها كافةُ المغاربة قريباً، وقد برهنت تلك المسيرة للعالم أجمع، عن رشد القيادة المغربية، وعن وحدة الأمة وإخلاصها ووفائها للقيادة العليا، وعن حبها العميق لوطنها وعن تضحيتها وعزمها واستماتتها في الدفاع عن كيانها وترابها ووحدتها، أولئك هم الجديرون بالتقدير وحسن الذكر، أولئك كبار الهمم شرفاء المقاصد، وأمثالهم قصد الشاعر بقوله :

ليس إجلالك الكبارَ بذل

إنما الذل أن تُجِل الصغارا

فكيف سنحيي ذكرى المسيرة الخضراء، ونحن نسبح في أوحال فيضانات الغش الكبير؟ كيف نقارن بين مكتسبات المسيرة بالأمس وخسائر اليوم؟ كيف نستر واقعنا المخزي ونغطي فضائحنا الواسعة من أجل أن نحتفل بواقع مضى مشرّفا؟ هل نستطيع أن ننسى مرارة اليوم بحلاوة البارحة؟

عباد الله : إن حديث النبي  : >من غشنا فليس منا< عن أبي هريرة ]. يجب أن يفسر على قدر الغش الذي يقع، فكما أن الغش منه ما هو صغير وكبير، فكذلك الحكم يجب أن يكون ملائما لمقدار الغش، فالحرام درجات وأحكامه درجات، والجرائم مراتب، وأحكامها مراتب، فالغش في صناعة جلباب أو إبريق، ليس كغش في طعام أودواء، والغش في الزراعة والبناء ليس كالغش في التعليم والقضاء، وهكذا وإن أكبر غش وأقبحه هو الغش الذي أصاب الأمة في أعظم وأشرف مكوناتها الحضارية ألاوهو التعليم! إن الغش  الذي أصاب تعليمنا منذ أوائل ما يسمى بالاستقلال هو الذي أنتج هؤلاء وأولئك الغشاشين الكبار والصغار الذين يعتبرون الوطن والمواطنين (وزيعة) وفرصة للانتفاخ والاستغناء والاستعلاء!. كلما كان ضرر الغش صغيراً ضيّقاً محصوراً في حا لة، أو عضو أو فرد أو أسرة كان حراماً، وكان إثمه على قدر ضرره، وحكمُه على قياس أذاه، وقد يكون الغش معصية وقد يكون فسقاً. فالغش إفساد وإجرام في الإسلام.

وقوله  : >ليس منّا< يمكن أن يُفسّر بأن من غشّ فليس على سنتنا، وفسر بأنه ليس من ديننا وملتنا.

وللحديث روايتان إحداهما مما يلفظ >ليس منا من غش< وتعني من غش الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. وثانيتهما بلفظ “من غشنا”، فكان النهي عن  غش المسلمين مكرراً وموكداً مرتين، ومن غش  إخوانه المسلمين ضوعف وزره، وشُددت عقوبته.

والغاش إن كان ذا سلطة ومناعة يحمي نفسه من المتابعة والمحاسبة على يد الناس، فإنه لا يحميه من الله تعالى شيء لا في الدنيا ولا في الآخرة ويدخل في حكم من سن سنة سيّئة.. لأنه يقتدى به طوعاً وكرها في الغش وغيره. وإن الله قد يمهل الغاش ولا يهمله، فإذا أخذه لم يفلته، فهو سبحانه يأخذ خصمه أخذ عزيز مقتدر.

وإذا كان الغاش ليس بذي سلطة ولا جاه ولا حماية فهو مقيت حقير، خسيس دنيء، وليس له حجة يبرئ بها فحشه وغشه، وينطبق عليه حكم الشرع بمقدار غشه -كما سبق-  وقد يخرج من الإسلام بغشه و هو لا يدري، أو يعتبر غشه معصية يزينها له الشيطان، ويصغرها في عينه، ويمنّيه أنه متى شاء تاب منها. وهذا باب الاستدراج إلى استحلال الغش الذي يؤدي بالغاش إلى الكفر، والعياذ بالله.

اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نضل، أو نزل أو نزَل، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يُجهل علينا.

الخطبة الثانية

عباد الله : هلا تساءلتم لماذا أخرج رسول الله  الغاشّ من جماعة المسلمين؟ يجوز لكم أن تسألوا عن ذلك ولا حرج  عليكم. وقبل الإجابة عن ذلك السؤال الكبير نذكركم بأن أكبر المشجعات على الانخراط في حزب الغشاشين هي : الرشوة، والحماية، وغياب المراقبة البشرية أو تزويرها، وتخفيف العقوبات عن بعض الغشاشين، وإعفاءُ من لا يستحق العفو من  عقوبة الغش وغيرها.

وتعالوا أيها الأحباب نلقي نظرة سريعة على نتائج الغش التي فضحها الله تعالى في هذه الأيام بغزارة الأمطار في مختلف الجهات، ومختلفِ المرافق، ثم اُحكموا أنتم بالأحكام المناسبة على الغاشين.

إن الخسائر الفظيعة وقعت في الإنسان والديار والأثاث، وفي المدارس والمصانع والمتاجر، وفي المواشي والأغراس والمزارع، وفي المطارات والمحطات والطرق، وفي القناطر والشوارع والقنوات والكهرباء والسيارات والآليات، فهل يستطيع المسؤولون أن يحصوا الخسائر كما وقعت؟ ولو استطاعوا إحصاءها فهل يقدرون أن يصرحوا بها كاملة؟ أليست هذه نتائج الغش في التصاميم واختيار البقع الأرضية غير الصالحة والترخيص لإقامة المشاريع الخاصة  عليها، وفي المشاريع والمؤسسات العامة التي تشرف عليها الدولة؟ فهل الغش في بناء قسم دراسي أو مستوصف صحي، كالغش في المركبات الرياضية وفتح الطرق، وبناء الموانئ والسدود، وإقامة الجامعات والمعاهد الكبرى والمحطات والمطارات؟ وهل الغش في شراء سيارة أو شاحنة أو جرار أو حصادة كالغش في شراء السفن والقطارات والمعدات الحربية؟

إن الغش قد يضيّع الأمة في عشرات المليارات تذهب هكذا وهكذا…

إن الطرق التي تركها النصارى منذ عشرات السنين لا تزال صالحة، وهناك طرق وجسور ومنشآت لم يمر عليها العام أو الشهور حتى أصبحت غير مشغلة، وقد رأى البعض جسراً كبيراً معوجاً في طريق مازالت الأشغال فيها جارية، ومُنع الناس من المرور على ذلك الجسر المعوج!

وإذا تبين لكم مبلغ الخسائر المادية، فإن هناك خسائر أخرى معنوية لا تقدر بثمن، ولا يمكن تداركها إلا بالتوبة والضرب بعدل وحزم على أيدي الظالمين الغاشين، العابثين بحياة المواطنين ومصائرهم، تلك الخسائر هي التي تصيب الإيمان والحياء، تصيب المروءة والوفاء، تصيب روح الجماعة والإخاء، تصيب النفوس والقلوب والأرواح :

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم

فأقم عليهم مأتما وعويلا

أرأيتم إلى أي درك هوت بنا الرشوة والغش؟ فيالهول الكارثة.

وإذا قدرتم الخسائر المادية والمعنوية فما هو الحكم الذي ترونه مناسباً وعادلا للغاشين الذين جرُّوا هذه المحن على الوطن والمواطنين؟ إن الغاش الذي يسبب في مثل هذه الكوارث المادية والمعنوية لإخوانه ومواطنيه ولا يشعر بندم ولا وخز في ضميره لاحظ له من أخلاق الإسلام شيء..

وإذا قال البعض : إن الكوارث الطبيعية حينما تشتد، تضر حتى بمنشآت الكفار في آسيا وأمريكا وأوربا فنقول له : من ألطاف الله بنا أننا لم نصَب بمثل تلك الإعصارات والعواصف والزلازل، وإلا لصار هذ الوطن خراباً موحشا، وجثثاً عفنة.

فهل عرفتم الآن لماذا حذر الرسول  من الغش هذا التحذير الشديد؟

فليعجل كل غاش بالتوبة، وليصدق ربه، وليعجل المسؤولون بتأديب وزجر وضبط كل غاش أيا كا ن قبل أن يعمنا الله ببلاء لاطاقة لنا به، ولعذاب الآخرة أبقى وأخزى، وأكبر!!!

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *