استعمالات اللغة العربية الجديدة إلى أين؟


5- الوجود والتواجد

كثير من الناس يستعملون  كلمة “التواجد” في كلامهم ويعنون بذلك >الوجود< يقول البعض مثلا فلانٌ متواجد في المكان الفلاني، ويقصد بذلك أن هذا الذي تحدث عنه موجود في ذلك المكان الذي سمّاه، وهو استعمال غير سليم بهذا القصد. إذ إن كلمة (متواجد) لا تساوي كلمة (موجود) ولا تطابقها في المعنى على الرغم من أنهما معاً من أصل واحد، وتشتركان في أحرف الأصل التي هي (و-ج-د) فالوجود على وزن (فُعول). و(التواجد) على وزن (التفاعل)، ولكل صيغة معناها العام الذي تشترك فيه الكلمات الواردة على ذلك الوزن (فُعول) أو (تفاعل) بالاضافة إلى المعنى الخاص الذي تحمله كل كلمة بدلالة حروفها، فالكلمات : (قعود)، (جلوس) (سجود)…الخ تشترك في معنى عام يجمعها تستوجبه دلالة صيغة (فعول) لكن كل واحدة منها تنفرد بمعناها الخاص الذي تدل عليه الأحرف التي تتألف منها، إذ لا يعقل أن تكون دلالة القاف، والعين، والدال في (قعود) هي دلالة الجيم، واللام، والسين في جلوس… وهكذا لكن المعنى العام الذي يجمع بين الكلمتين (قعود)    و(جلوس) ومثيلاتها في الوزن هو كونها على وزن (فعول) وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة (تواجد) التي يأتي وزنها على صيغة (تفاعل) مثل : تسابق، وتلاكم، وتخاصم…الخ

ولذا قلنا بأن استعمال (التواجد) بمعنى (الوجود) استعمال لا يقبله نظام اللغة العربية، ويمكن الاحتجاج لهذا الزعم أي عدم صحة استعمال (التواجد) بدل (الوجود) من وجوه ثلاثة نوردها كما يلي :

أولا : غِنَى الأصل أي (وَ-جَ-دَ) بدلالاته الفرعية الناتجة إمّا عن تغيير شكله بحركة مثل (وَجَدَ) بفتح الواو والجيم والدال. أو (وجَد) بكسر الجيم فقط وتشارك (وجَدَ) في جانب من معناها، أو (وُجِد) بضم الواو وكسر الجيم، بصيغة المبني للمفعول. ونورد بعض الأمثلة لهذا الذي ذكرناه كما يلي :

1- وجَدَ مطلوبَه يجِدُه وجُوداً(ل ع 445/3).

2- وَجَدَ المالَ يَجده وَجْداً ووُجْداً وجِدة… (ل ع 445/3).

3- وجَدْتُ الضالةَ وِجداناً وقد يستعمل الوِجدان في الوُجد وجْداً

4- وجَدَ الرجل في الحزن (بفتح الجيم) ووجِد (بكسرها) وجْداً (بفتح الواو) حزن (ل ع 446/3)

5- ووُجِد الشيء عن عدم فهو موجود متل حُمّ فهو محموم(ل ع 446/3).

نلاحظ في هذه الجمل أنّها تتفق إجمالاً في أمْر وتختلف في أمور على تفاوت في ذلك فهي تتفق في أنها مبدوءة بفعل مادته هي (و ج د). تختلف في أن هذا الفعل يختلف شكله من مثال أو أكثر لآخر فالأمثلة الأربعة الأولى (1- 2- 3- 4) مبدوءة بفعل (وجَدَ المفتوح الأحرف الثلاثة، وهذا ما يوهم بأن وظيفتها الدلالية واحدة، وليس الأمر كذلك، أما المثال الخامس (5) فشكل الفعل فيه مخالف لشكله في الأمثلة الأربعة الأولى فهو مضموم الحرف الأول (الواو) ومكسور الثاني (الجيم) وهذا ما يسمى في العربية المبني للمجهول، ودلالة المبني للمجهول غير دلالة المبني للمعلوم، وبهذا تتميز الجملة الخامسة عن الجمل الأولى الأربعة في وظيفتها الدلالية بسبب تغيير شكل الفعل فقط ومن معالم هذا التمايز أن الاسم الأخير في الجملة جاء على وزن مفْعُول، وهو ما يسمى باسم مفعول، في حين أن الأسماء التي ختمت بها الجمل الأربعة الأولى هي (وجود في 1) و(وَجْداً، ووُجدا..(2) و(وجدانا في 3) وهذه الأسماء تسمى مصادر، وهي مختلفة الأوزان كما ترى. وقبل أن نذكر بسبب هذا الاختلاف نقول بأن الفعل (وجَدَ) في الأمثلة الثلاثة الأولى متعد، أي له مفعول به في الأمثلة الثلاثة فمفعوله في المثال (1) هو (مطلوبَه) وفي الثاني (2) هو (المال) وفي الثالث (الضالة) وهذه المفاعيل المختلفة هي سبب اختلاف المصادر، فالمناسب للمطلوب هو الوجود، وللمال وجْداً.. وللضالة وجداناً.

أما المثال الرابع : فالفعل (وجَدَ) فيه لازم إذ لا وجود للمفعول به في هذه الجملة وهو متعد بحرف الجر (في) ولذا كان مصدره (وَجداً) بفتح الواو.

هكذا نلاحظ أنّ عوامل كثيرة تتحكم في تغيير دلالة الفعل (وجَدَ) وما تفرع منه من المصادر،. منها تغيير حركات الكلمة ومنها اختلاف المفعولات، ومن ثَم المصادر المأخوذة منها ومنها السياق الذي يرد فيه  الفعل وجد. حيث تضاف عناصر للجملة تخصص معناها بمجال دون آخر، من ذلك مثلا< وجَد يجد جدة أي استغنى غنى لا فقر بعده.. ووجد عليه في الغضب.. ووجد به وجدا في الحب لا غير.. ل ع 446/3.

وكل هذه التغييرات في الأشكال -ولو بتغير حركة من حركات الفعل أو ما تفرع عنه من الأسماء- تواكبها تغييرات في المعاني، وعليه فكيف يعقل أن تكون دلالة كلمة (وجود) مطابقة لكلمة (تواجد) مع ما بينهما من اختلاف في شكل المزيدات عن الأصل (وَجَدَ) وعددها؟!.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *