ومضات من أنوار ليلة القدر


إن مظاهر إكرام الله تعالى لأبناء أمة الإسلام كثيرة ومتعددة، وأبرزها مضاعفته ثواب طاعتهم أضعافا مضاعفة تارة بوقوعها في المكان المفضل “المساجد الثلاثة”، وتارة أخرى بهيئة العبادة “صلاة الجماعة”، وما علينا  إلا أن نترصد تلك الفرص كلها بغية اغتنامها.

وخير الفرص وأعلاها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهي ليلة الاتصال المطلق بين السماء والأرض، وليلة بدء نزول القرآن على قلب محمد .

ليلة القدر وسبب التسمية :

– أن الله تعالى يقدر فيها الأرزاق والآجال وحوادث  العالم، ويدفع ذلك إلى الملائكة مصداقا لقول الحق سبحانه : {فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا}(الدخان : 3).

– أن هذا من عظم القدر والشرف والمنزلة، كما نقول : لفلان قدر؛ أي شرف ومنزلة. وهذه الليلة لها شرف كبير عند الله.

– أنها تكسب من أحياها قدرا عظيما لم يكن له من قبل، وتزيده شرفا عند الله سبحانه.

– أن العمل في هذه الليلة له قدر كبير وشرف عظيم.

تحديد مدلول القدر :

اختلفت آراء السادة العلماء في تفسير كلمة القدر، وتعددت أقوالهم في تحديد المعنى المقصود من الكلمة، ويمكن إجمال وجهات نظر العلماء في دلالة كلمة القدر فيما يلي :

– القدر؛ يعني العظمة، ويشهد له قوله تعالى : {وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة}(الزمر : 63).

– القدر؛ يعني الضيق، حيث إن هذه الليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون نظرا لكثرة عددهم، وإلى هذا المعنى تشير الآية الكريمة : {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله}(الطلاق : 7).

– القدر؛ أي الحكم، كأن الأمر يُقدر ويُحكم في هذه الليلة.

– القدر؛ ويعني المكانة والمنزلة، ذلك أن هذه الليلة نزل فيها كتاب ذو قدر، وتنزل فيه رحمة ذات قدر وملائكة ذووا قدر.

وبالنظر إلى أقوال العلماء جميعها في سبب التسمية وتحديد مدلول القدر نستشف الشرف العظيم والفضل الكبير الذي حبا الله به الأمة المحمدية، وذلك بمنحهم هذه الليلة التي يعدل ثواب العمل فيها ثواب أكثر من 83 سنة، تطييبا لفؤاد وخاطر رسول الله  الذي تقال أعمار أمته حين أطلعه الله تعالى عليها، وطلب من ربه عز وجل أن يمنح أمته وقتا طويلا لتحصيل الأجر والثواب الجزيل.

الحكمة من إخفاء ليلة القدر :

اقتضت حكمة الله تعالى أن يخفي على عباده بعض أوقات استجابة الدعاء، كما أخفى أولياءه واسمه الأعظم الذي إذا دعي بها أجاب.

ومن أوقات العبادة التي أخفاها الله تعالى ليلة القدر، وذلك لحكم لا يعلمها إلا الله تعالى، وإن كان الإنسان حاول أن يدرك بعضها وفق ما آتاه الله تعالى من عقل ورشد وعلم، ومن تلك الحكم نذكر :

– أن الله سبحانه أخفى هذه الليلة من أجل أن يعظم المسلمون ليالي رمضان كلها، وأن يجتهدوا فيها بالعبادة والقرب من الله.

– ثم إنه جلت عظمته اقتضت حكمته إخفاء ليلة القدر على الناس، لأنه عز وجل يعلم ميلان ابن آدم إلى المعصية والذنب، فلربما دعت الشهوة هذا الإنسان الضعيف في تلك الليلة فأوقعته في الذنب، فتكون معصيته مع علمه أشد من معصيته مع عدم العلم. فكأن حكمة الله تقول : >إذا علمت ليلة القدر، فإن أطعت الله فيها كسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب<.

فضائل ليلة القدر :

إن المتأمل في كتاب الله عز وجل لاشك أنه سيجد فضائل ومزايا هذه الليلة مبثوثة فيه، ومنها :

– {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} أي يكثر نزول الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى، والملائكة ينزلون مع نزول البركة والرحمة، وعند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق الذكر.

– {سلام هي} : أي هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يصنع فيها سوءا، أو يعمل فيها أذى، وكذا تسلم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد حتى يطلع الفجر.

– {فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا} أي تقضى فيها الأمور وتقدر الآجال والأرزاق وتكتب الملائكة فيها الأقدار.

علامات ليلة القدر :

جاء في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن النبي  قال عن ليلة القدر : >إن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها<، ومما ذكر العلماء في كونها تطلع لا شعاع لها : >أن ذكر الله لكثرة الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسادها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها<. والله تعالى أعلى وأعلم.

ابراهيم والعيز

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *