{وليعفوا وليصفحوا}


ماذا يكون موقفك حين يظلمك أحد من الناس؟ -وما أكثر الظلام!-

وماذا تفعل حين يعتدي عليك المعتدون؟ وهم بالعشرات!

لقد ظُلم رسول الله  مرات ومرات، وظلم سادات الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وظلم كثير من الصالحين على مر التاريخ.. فهل عرفت كيف كانوا يردون الظلم ويدفعونه؟

اليوم أضع بين يديك صورة لرجل عظيم هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فيها درس بليغ لكل مظلوم ومقهور :

كان المأمون العباسي على الحق إلى أن استحوذت عليه جماعة من المعتزلة فأزاغته عن الطريق المستقيم، وزينت له القول بخلق القرآن، ونفي الصفات عن الله عز وجل، فأمر بحمل العلماء على القول ببدعته وتهددهم بقطع أرزاقهم، وتوعدهم بألوان من العذاب لكنه لم يلبث أن مات، وتولى بعده المعتصم، وجيء إليه بأحمد بن حنبل في السلاسل والأغلال، ودارت بينه وبين علماء السوء مناظرات دامت أياما، يقول أحمد في نهايتها : >فعند ذلك قال لي الخليفة : لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال : خذوه واخلعوه واسحبوه، قال أحمد : فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعاقبين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي  مصرورة في ثوبي فجردوني منه (..) فأمر بي فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقمت عليه وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له -يعني المعتصم- شد قطع الله يديك، ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطا فأغمي علي، وذهب عقلي مرارا، فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي، وقام المعتصم يدعوني إلى قولهم، فلم أجبه، وجعلوا يقولون : ويحك! الخليفة على رأسك، فلم أقبل، وأعادوا الضرب، ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب، ثم جاء الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب، وأرعبه ذلك من أمري، فأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت.. وكان ذلك في الخامس والعشرين من رمضان سنة 221 (..) ولما رجع أحمد إلى منزله جاءه الجرائحي فقطع لحما ميتا من جسده، وجعل يداويه والنائب في كل وقت يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندما كثيرا، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، يقول ابن كثير بعد هذا : >وجعل -أي الإمام أحمد- كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى .{وليعفوا وليصفحوا}(النور : 22) ويقول : ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟! وقد قال الله تعالى : .{فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين}(الشورى : 40) وينادي المنادي يوم القيامة >ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا<<(1).

هذه محنة الإمام أحمد رحمه الله، وهكذا ظلم، فكان ممن عفا وغفر، وتركها لله عز وجل.

1- البداية والنهاية لابن كثير 697/9- 698.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *