هل ينفع الإنسان أن يعبد ربه في شهر رمضان فقط دون سائر الشهور؟


إنه من الواضح لدى الخاص والعام، أن التاجر إذا دخل موسم من مواسم التجارة، فتاجر فيه وباع واشترى طلبا للربح، فإنه بعد انتهاء هذا الموسم وتصفية معاملته فيه، ينظر مبلغ ربحه، وما حصل عليه من مكاسب ينظر هل ربح أم خسر، هذا الاهتمام البالغ في تجارة الدنيا وعرَضها الزائل، يعتبر مكسبا مهما، ونحن قد مر بنا قريبا موسم من مواسم تجارة الآخرة الباقية، تجارة تنجي من عذاب الله الأليم، تجارة لن تبور، قد مر بنا شهر رمضان الذي يضاعف الله فيه أجر الأعمال الصالحة، فالفريضة الوحيدة فيه تعادل سبعين فريضة فيما سواه، والنافلة فيه تعادل الفريضة في الأجر، يربح فيه العمل في ليلة واحدة، ثواب العمل في ألف شهر، يفوز فيه أهل الاستقامة والصلاح برحمة الله، ويحصل فيه المذنبون على مغفرة الله ويعتق فيه المستحقون لدخول النار من أصحاب الكبائر الموبقة، يعتقون فيه من النار إذا تابوا إلى ربهم، من صام أيامه وقام لياليه إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، لقد مر بنا هذا الشهر الكريم بخيراته، وعشنا أيامه ولياليه، فلنحاسب أنفسنا ماذا ربحنا فيه، وماذا استفدنا منه، وما أثره على نفوسنا، وما مدى تأثيره على سلوكنا، هل ربحنا فيه أم خسرنا، هل تقبل الله منا ما عملنا فيه أو رُد علينا، علما بأن للقبول والربح في هذا الشهر علامات، وللخسارة والرد علامات واضحة، يعرفها كل  إنسان من نفسه، فليفكر كل إنسان في نفسه، من كان حاله في الخير والاستقامة بعد رمضان أحسن من حاله قبله، فهذا دليل على قبول أعماله الصالحة في رمضان، ودليل على ربح تجارته في رمضان، ومن كان بعد رمضان كحاله قبله أو أسوأ مقيم على المعاصي بعيد عن الطاعة، يرتكب ما حرم الله، ويترك ما أوجب الله، يسمع النداء للصلاة فلا يجيب، ويعصي الله فلا يتوب، لا يتأثر بالوعد والوعيد، ولا يخاف من التهديد، ويتابع سماعه للأغاني والمزامير، ونطقه قول الزور، وشرابه الدخان والمخدرات والخمور، وماله من الرشوة والربا، وبيع السلع المحرمة والكذب في المعاملة والغش والخديعة والفجور، ماذا استفاد هذا من رمضان، ومن موسم المغفرة والرضوان؟ إنه لم يستفد سوى  الآثام والخسران، والعقاب والنيران، كما أخبر النبي  أن جبريل عليه السلام حيث قال له : >بعُد من أدرك رمضان فلم يُغفر له فقال آمين فقلت آمين< فهذا خبر عن رسول الله  عن جبريل عليه السلام أن من أدركه رمضان فلم يغفر له فيه، ومات على هذه الحالة أنه في النار، ودعا عليه جبريل بالبعد عن رحمة الله، وأمن على ذلك رسول الله  فما أعظمها من خسارة! وما أفدحها من مصيبة! وما أهولها من عقوبة! يا من عرفت في رمضان أن لك ربا كيف نسيته بعد رمضان؟ يا من عرفت في رمضان أن الله أوجب عليك الصلوات الخمس في المساجد، كيف جهلت ذلك أو تجاهلته بعد رمضان؟ يا من عرفت في رمضان أن الله حرم عليك المعاصي كيف نسيت ذلك بعد رمضان؟ يا من عرفت في رمضان أن أمامك جنة ونارا وثوابا وعقابا، كيف نسيت ذلك بعد رمضان؟

يامن كنتم تملؤون المساجد في رمضان وتتلون كتاب الله فيها، كيف هجرتم المساجد والقرآن بعد رمضان؟ يا من يخص شهر رمضان بالعبادة والإقبال على المساجد ليلا ونهارا دون غيره من الشهور، فرب الشهور واحد، وهو سبحانه وتعالى في كل الشهور مطلع على أعمال عباده وشاهد. عليها لقد كانت المساجد في رمضان تغص بالمصلين في الأوقات الخمسة، برجال لم ينزلوا من السماء، ولم يقدموا من سفر، وإنما يسكنون بجوار المساجد طول السنة، ويملؤون البيوت، لكنهم لا يعرفون المساجد في غير رمضان، ولا يخافون الله في غير رمضان.

نعوذ بالله من العمى بعد البصيرة، ومن الضلالة بعد الهدى اللهم رد المسلمين إلى دينك ردا جميلا آمين.

ذ. محمد حطاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *