رمضان : شهر صناعة الملحمات أم الحلويات ؟


رمضان ملحمة بناء الذات والأمة

رمضان الشهر الأبرك الرؤوم.. الشهر الذي يحنو على الخلائق حنو المرضعة على الفطيم… شهر أجود من الريح المرسلة وأسخى من حاتم الطائي.. إذا ذكرت الشهور فرمضان هو النجم الثاقب.. إنه الواصل الذي لاينتظر المكافأة.. ومن ثم فإنه من الطبيعي أن تتربص البرية الطاهرة قدومه في شوق ولهفة وفي بهجة وتهليل وأن تنتظره على أحر من الجمر.. يُروى عن السلف الصالح أنه كان يدعو الله ستة أشهر أن يبلغه رمضان، وبعد صيامه وقيامه يتضرع إلى الله ستة أشهر أن يتقبل منه!! هكذا كانت حياته كلها رمضان بامتياز.. تفكير رمضان، معاملات رمضان، وأخلاقيات رمضان.. وما أحلى حياة رمضان؟! حياة الروح، حياة السمو والارتقاء، حياة الصفاء والنقاء، حياة التحرر من قيود الذات وحمأة الأرض وحياة الانعتاق من قوى الشر الخفية التي تدبر المؤامرات وتزرع المكايد والوساوس، وتنصب الشراك والمصائب في الطرقات.. حياة رمضان حياة الجد والاجتهاد والجهاد.. وما أسعد حياة رمضان سعادة البطولات والانتصارات وما أجمل حياة رمضان..! جمال القرآن وجمال الصيام وزينة الخلال، والخصال والإخلاص والخلاص..!

إنها أيام تطهير وتزكية، ولحظات كفاح ومجاهدة ونمو، وفرص منيفة لعقد جلسات مع هذه الذات بغية الاطلاع على إنجازاتها المتألقة وإحباطاتها الخاسئة فتجزى على الإنجازات وتعاقب على تجاوزها للخطوط الحمراء وتلجم بعقال العدل والإنصاف وبالتزام المبادئ والقيم العليا من أجل بناء ذاتي متماسك الأطراف يشد بعضه بعضا يكون قادراً على احتمال العواصف والزلازل النفسية المحدقة بالفرد من كل جهة وفي كل حين، وعبر هذه الرقابة الذاتية تبنى الشخصية الفاعلة على أسس راسخة، لأن النفس كالعجينة الطرية قابلة للتشكيل والتبديل. إنها روح طيعة مهيأة لأن نصنع منها ما نشاء {فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}(الشمس : 8- 10) وفي الحديث : >كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه..< >إن الطبيعة البشرية مرنة ومطواعة بصورة واضحة تخضع بوفاء لما يفرضه عليها المحيط الاجتماعي<(1) -مارغريت ميد- وفي نفس السياق يقول مؤسس المدرسة السلوكية (واطسون) : “اعطوني عشرة أطفال أصحاء أسوياء التكوين فسأختار أحدهم جزافا.. ثم أدربه فأصنع منه ما أريد وذلك بغض النظر عن ميوله ومواهبه أو سلالة أسلافه…”.

إن تغيير ما بالأنفس أو عملية التزكية تكون أكثر ضمانا وإيجابية في رمضان، وأخف معاناة وألما من الشهور الأخرى لكونه شهر البركات والنفحات الإيمانية يضعف فيه سلطان الشهوات الأمارة بالسوء وكذلك شهر تصفد فيه الشياطين…

والتغيير في البداية أمر مؤلم لكنه يحقق سعادة في النهاية… يفشل الكثيرون في تغيير أنفسهم لأنهم يظنون أن المعاناة التي تصادفهم في البداية ستستمر أو تتصاعد… والحقيقة أن المعاناة مؤقتة وستتبعها سعادة كبيرة عندما يشعر المرء بالحرية والانعتاق من العادة  التي تكبله.. والمدخنون الذين عافاهم الله يعرفون ذلك جيداً، وعلماء السلوك يشبهون بداية فترة التغيير بالمرور من عنق الزجاجة.. فالإنسان إما :أن يدفعه الضيق للرجوع والبقاء فيظل محبوسا داخلها وإما أن يصبر ويتابع السير فيخرج إلى الآفاق الواسعة..<(2).

قلت من أجل هذا كان السلف الصالح يحلم بحلول رمضان.. يعد الشهور ويحصي الأيام والأسابيع.. وكانوا ينتظرون هذا الشهر الشهير بهذه الجدية والاستعداد وبكل لوعة.. لأنهم ذوو الأماني الحسان؛ يخططون لمشاريع النمو ويصممون لمؤسسات إنسانية  نافعة.. يجب أن تنجز هذه المشاريع وتنشأ المؤسسات، ويزال الستار والحجاب عن كل ذلك.. ويجب أن يوصلوا الجداول إلى الحقول الجدباء، حيث يجب إغاثة الملهوف وإنقاذ الغرقى من الأمواج الطاغية، ويجب أن تُرفع الآصار والأغلال على الأفئدة لتختار مصيرها بكامل الحرية والإرادة، يجب أن يصنعوا ويعملوا ويشيدوا قبل أن تغتالهم المنايا “ومن ذا الذي ينجو منهن ويسلم؟!” وحينئذ يُسألون ويحاسبون {وقفوهم إنهم مسؤولون}(الصافات : 24) وهم الذين يفقهون المسؤولية ويقدرونها حق قدرها، وخشية من مرارة المسؤولية والمحاسبة كانوا يسارعون في الخيرات ويتسابقون قبل أن يدركهم الفناء.

وبسبب الإخلاص في صوم رمضان واحتساب صيامه وقيامه لله تعالى مَنَّ الله على المؤمنين في :

غزوة بدر الكبرى سنة 2 هـ، وبانتصار سرية غالب بن عبد الله الليثي على بني  عوال وبني عبد الله بن ثعلبة سنة 7 هـ، وبفتح مكة 8 هـ الانتصار على الفرس في معركة البويب 13 هـ. فتح جزيرة رودس 53 هـ. غزوة طريف 91 هـ فتح الأندلس 98 هـ، فتح عمورية 223 هـ، فتح مدينة سرقوستة من جزيرة صقلية 264 هـ فتح حارم 559 هـ.

وهذه الحوادث التاريخية الضخمة  -وهي غيض من فيض- كلها تحققت في شهر رمضان المبارك.. شهر الخوارق والبركات، شهر الفتوحات والانتصارات والمعجزات أيضا. ربما نعجب ونندهش أمام هذه المحطات والمشاهد الجهادية والمعارك المهولة التي خاضها أهلها وهم جائعون ظامئون ومع ذلك شربوا في النهاية كؤوسا مترعة من رحيق الفوز والانتصار، ولكن هذا العجب سيسقط نجمه ويذوي إذا عرفنا أن رمضان شهر أنزل فيه القرآن وهو أكبر المعجزات وأخلدها.. الكتاب الذي يحق الحق ويبطل الباطل ويفرق بين ظلمات الجاهلية وأنوار النور.  إنه الفرقان، وليس عبثا أو مصادفة أن تدعى بدر الكبرى بيوم الفرقان. يوم الفرقان تعلو رايته في شهر أنزل فيه القرآن عجيب ثم عجيب جداً.  إننا نرجو أن يكون رمضان هو الشهر الذي ستنتصر فيه الأمة الإسلامية اليوم وغداً. نأمل أن يزورنا رمضان في وقت يجد فيه الأمة المستعبدة مستعدة للتضحية والبذل، وحينئذ ستهزم “الجيش الذي لا يقهر” وتغلب “شعب الله المختار” وستنتصر في معركة أوْقَد نارها “أبناء الله وأحباؤه” وآنئذ تأسر حزب الشيطان، وستنتصر الأمة المسلمة ما خلصت نواياها وأعدت عدتها بجدية وإحباك وكانت أمنيتها الغالية عشق الموت والاستشهاد في سبيل الإخلاص والخلاص ومن أجل تحرير العباد من الوحوش الضارية، وتمسح عن القلوب صدأ الألم وتنفض عن الوجوه رماد البؤس والشقاء، وليس ذلك ببعيد، وما ذلك على الله بعزيز.

عادات مذمومة في رمضان

إذا كان رمضان عند السلف الصالح محطة لمضاعفة الجهد والاجتهاد والجهاد، ومستشفى لعلاج النفوس وترميم الروح وإصلاح المجتمع واكتساب علو الهمة.. وكان مصنعا لصناعة الملحمات وتنظيم حملات تحمل هموم الأمة فإنه قد أصبح في ثقافتنا شيئا آخر تماما. رمضان في ممارستنا حقبة للوحم والخمول والكسل والشرود وظرف للحيرة والاكتئاب وانهيار الأعصاب واحتدام الأحداث المروعة وتفاقم الجرائم والمسارعة في سب الخالق وشتم الرّب والدين جهاراً. كم نحسن الاستعداد المادي المحض لاستقبال رمضان؛ دكاكين تملأ رفوفها وجوانبها، والأسواق ملأى بالسلع والبضائع حتى أنها لتكاد تتجشأ أو تتقيأ.. والناس في غدوهم ورواحهم يتهافتون، ويتلهفون، ويلهثون يتتبعون خطوات شهواتهم وجشعهم المتنامي.. يشترون للاكتناز والادخار كأنهم أنذروا بأنهم سيؤخذون بالسنين وبالأعوام  العجاف وصدق المصدوق عليه الصلاة والسلام إذ قال : >لا يملا جوف ابن آدم إلا التراب<. وبذلك تحول رمضان من أجواء روحانية إلى أسواق استهلاكية يترصد جيئته التجار الكبار لحصد أرباح باهضة تزيد في أرصدتهم بشكل متصاعد ملحوظ.

والواقع الرمضاني يدحض -استنادا إلى إحصائيات- ز عم وادعاء من له الغيرة المفرطة على اقتصاد البلاد القائل بأن رمضان شهر تثبيط الحركة التجارية والتي تعرف خلال هذا الشهر البوار والكساد ومن ثم تراجع اقتصادي وهو أحد معوقات تقدم الأمة!! كما أن واقع رمضان يطعن في نداءات من يدعو إلى توقف وإيقاف بناء المساجد بدعوى أننا نعرف انفجارا عمرانيا من المساجد.. فهي كافية بأن تضم أبناء وطنها.. والمضي قدماً في تشييد المساجد مضيعة للوقت والاقتصاد!! رمضان فرصة لهؤلاء لتصحيح تصوراتهم!! فإن كانوا يتكلمون عن الخيال المتطرف فمعذرة.

إنني أود هنا أن أتساءل : ما حظ استعدادنا الروحي لحسن ضيافة رمضان، موازنة مع الحظوظ المادية التي تطغى على حياتنا؟ إنه مع حلول شهر رمضان بعض المظاهر والسلوكات الإيجابية ولكنها تظل ناقصة ككثرة على المساجد  وصيام رمضان بجهالة مفرطة بواجباته ومبطلاته، صيام ليس فيه لصاحبه  إلا الجوع والعطش، الكذب، والزور، والنميمة، والخيانة، واللغو، والرفث، والحديث المبتذل… ثم  إقبال على المسا جد بالأجساد في دقائق معدودة والأرواح هائمة سائحة في زخرفة الأوكار والسمر على جنبات الطرق وعلى رحاب المقاهي وقراءة القرآن قراءة لا تتجاوز الحناجر، وصلاة الصبح لولا الخوف من الجوع والعطش ما تم أداؤها، ثم تضامن الأغنياء الموسرين مع المعسرين لا يتعدى تزويدهم بكلوغرام من التمر الرديء، ومواد لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تخفف من معاناتهم، وعقب هذا التبرع المرغوب عنه عقلا ونقلا يشيحون بوجوههم في تباه وافتخار قائلين “كان الرسول  أجود في رمضان”. ثم نسيان عريض للمجاهدين المحرومين من الأمن والطعام والشراب، وحذف ساعات من البرامج التربوية والإدارية والمؤسسات على حساب إضافتها للنوم والعطل والتسكع في الشوارع والاستلقاء على الأرصفة استلقاء الحشرات التي سكرتها المبيدات، والناس يمشون والغيظ والحيرة والفتور يرافقهم وعيون ترمق العباد شزراً واللسان يرميهم بشرر، يسيرون في الطرقات مرشحين للتساقط كأنهم سحروا بالأفيون.. هذه هي الحياة الرمضانية التي يعيشها جل الناس، وهذا هو الاستعداد الروحي الذي واجه به رمضان جمهرة من الناس؟ وأكثرهم.. ولكن أكثر الناس، لا يعلمون، ولا يعقلون ولا يفقهون، ولا يشكرون..

في الحقيقة ينبغي أن نعيد لحياة رمضان اعتبارها وهيبتها وشرفها ونورها المشرق وبالأحرى يجب أن نتصالح مع رمضان مصالحة شاملة فكراً وعملا عقيدة وسلوكا من خلالها ننبذ كل ما ورثناه عن الآباء والأجداد من معتقدات فاسدة وأفكار خرافية ومن تصرفات ذات عوج وعرج لنقوم بتعبئة جديدة مستوحاة من العصور الذهبية ومن كل منهل يتدفق وعيا صحيحا ويفور بالفكر السليم السوي حتى نحول حياتنا الرمضانية : من حياة الحلويات إلى حياة رمضانية تصنع الملحمات.. ورمضان يقبل بهذه المصالحة ويدعو إليها. فلنبادر إذن إلى هذه المصالحة المجدية الآن وقبل فوات الأوان “فالتأخير لص الزمن” و”خير البر عاجله”.

محمد بعزاوي

—–

1- دفاتر فلسفية، نصوص مختارة إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبيد العالي، دا ر تبقال للطباعة والنشر 1991، ص 52- 53.

2- الذكاء العاطفي للدكتور ياسر العيتي بتقديم جودت سعيد، ص 52- 53 بتصرف.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *