{فيومئذ وقعت الواقعة}


قال تعالى : {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السماء فهي يومئذ واهية، والملك على أرجائها، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}(الحاقة : 13- 18).

كم من واقعة تقع، وحادثة تحدث، تبدو للناس شيئا كبيرا وعظيما، لكنها ما تلبث أن تنسى، وآثارها ما تلبث أن تزول، ويتنقل الناس بين واقعة وأخرى، تنسخ ثانيتُهما الأولى، وتنسي المتأخرةُ منهما المتقدمة… وتستمر الوقائع والحوادث والنوازل مسرعة، حتى تقع الواقعة! إنها الواقعة التي تنسي غيرها وتنسخ ما سواها، فهي الواقعة المعلومة بقربها وكثرة شدائدها، وتعدد أهوالها، إنها آية لا محالة، لا يردها شيء، ولا يمنع وقوعها مانع، بل كأنها وقعت بالفعل، تخفض وترفع، وتعلي وتنزل، قال تعالى : {إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة، إذا رجت الارض رجا، وبست الجبال بسا، فكانت هباء منبثا}(الواقعة : 1- 6) إنها واقعة ترتج لها الأرض ارتجاجا، وتهتز لعظمتها وشدة هولها اهتزازا، فتزلزل وتتحرك، حركة قوية، وزلزلة عظيمة {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} بل إن الجبال الراسيات، تبس بسا كاملا، وتفتت تفتيتا تاما كما يفتت الدقيق، فتعجن وتخلط كماء وتراب!! وقال عز وجل : {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية..<.

انظر -أخي- إلى هذا الانقلاب للكون العظيم، يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة يموت فيها كل الخلائق، ورفعت الأرض من أماكنها وفتت تفتيتا وقلعت الجبال من أوتادها وكسرت تكسيرا، يومها تقع الواقعة المعلومة، وتنشق السماء وتنصدع وتتفطر فتصير ضعيفة واهية…

لكل هذه التغيرات، وتلك الانقلابات استحضرها العابد الصموت الزاهد الذاكر، القائم الصائم عثمان بن عيسى أبو عمر البَاقِلاّوي رحمه الله وهو يسمع هذه الآيات، فكان له معها هذا الموقف، فعن أبي الحسين محمد بن محمد بن المهتدي قال : >كان -لعثمان بن عيسى- مغتسل وحارة في المسجد فكان يصلي بينهما، وكنت أصلي به شهر رمضان، فقرأت ليلة سورة الحاقة حتى أتيت هذه الآية {فيومئذ وقعت الواقعة} فصاح وسقط مغشيا عليه فما بقي أحد في المسجد إلا انتحب<(1).

فاللهم ارزقنا حسن الفهم لكتابك، وانفعنا به يوم لقائك.

—–

1- صفة الصفوة 227/2.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *