حقيقة الوطن


بإمكانك أن تنزع الإنسان من الوطن، لكنك لن تستطيع أن تنزع الوطن من قلب الإنسان… هناك الغريزة التي تشد كل المخلوقات إلى الأصل، ولنتأمل سلاحف البحر التي تضع بيضها تحت رمال الشاطئ، وما إن تفقس حتى تتجه صغارها بغريزتها التي أودعها الله إياها إلى البحر… كذلك الإنسان السوي حتى ولو ولد في المنافي وفي مخيمات اللاجئين فإن الوطن يبقى رابضا في قلبه، ترسم تقاسيم في مخيلته روايات الآباء والأجداد… هناك أجيال من الفلسطينين الذين ولدوا خارج وطنهم، وترعرعوا بعيدا عن سمائه، لكنهم اليوم يتابعون كل خلجة من خلجاته، ويذرفون دما على ما يحل بإخوانهم داخل الأرض الطيبة… هناك من ولد ومات في المنفى وقلبه معلق بالوطن.

الوطن ليس الأرض والشجر والمباني… الوطن فكرة وقضية… الوطن عقيدة وإيمان… الوطن حلم نأبى أن نصحو منه… لكن حينما يهتز معنى الوطن في قلوبنا وتتكسر معانيه السامية على صخرة جهلنا، حينها يمكن أن نخون الوطن ونحن بين أحضانه، ونبيعه للأغيار بثمن بخس… قد يقسو علينا الوطن أحيانا، ويجور علينا أهلنا، وتُظْلِمُ السماء التي تظلنا فلا نرى سوى العتمة، لكن الذي يشدنا إليه أقوى من الألم والجوع والظلم.. إنها الرغبة في إعادة ترميم الشرخ الذي أحدثته يد الفساد والرعونة في جدار الوطن. ومقاومة كل مظاهر الاستبداد الذي يروم إفراغ الوطن من محتواه… باختصار إنها الرغبة في صيانة كرامة الخلق فوق أرض الخالق عز وجل.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *