الوفاء بالعهد : أهميته وضرورته


الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو…

أما بعد :

فيا أيها الإخوة المؤمنون يقول الله جل جلاله في سورة النحل آية 91 : {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون}.

أيها الأخ المسلم يا من إذا أعطيت عهدا أو عقدت عقدا أو أبرمت اتفاقا أو وافقت على أمر بالتنفيذ، فيجب ألا تتراجع في وعدك، وتصير ألعوبة في يد الشيطان وأتباعه من الإنس والجن، إن الله سبحانه وتعالى مطلع على سرك وعلانيتك، لا يخفى عليه شيء من أمورك، يقول سبحانه في كتابه العزيز من سورة ق : {ما يلفظ من قول إن لديه رقيب عتيد}.

ومامن أحد منا إلا وسمع أو حفظ أو قرأ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : >أربع من كن فيه كان منافقا، ومن كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانت فيه خَصلة من النفاق حتى يدعَها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر<(خرّجه البخاري ومسلم).

ونسمع أيضا في حديث شريف آخر، في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : >آية المنافق ثلاث :  إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان<(رواه البخاري) وفي رواية لمسلم : {وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم<.

والذي فسره به أهل العلم المعتبرون أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه.

أيها الإخوة المومنون :

قوله سبحانه وتعالى : {وأوفوا بعهد الله} لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة. وهذه الآية مضمن قوله سبحانه {إن الله يامر بالعدل والإحسان} لأن المعنى فيها : افعلوا كذا، وانتهوا عن كذا؛ فعطف على ذلك التقدير.

وقد قيل : إنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام. ومن باب العدل والإحسان في الإسلام نصرة المظلوم والضربُ على يد الظالم.

ففي الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم : >انصر أخاك ظالما أو مظلوما} قالوا : يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال : >تأخذ على يديه -في رواية : تمنعه من الظلم- فإن ذلك نصره<.

وقال صلى الله عليه وسلم : إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده<.

يقول الله تبارك وتعالى : {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} يقول بعد تشديدها وتغليظها، يقال : توكيد وتأكيد، ووكّد وأكّد، وهما لغتان.

ويقول سبحانه : {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} فهو سبحانه شهيد على عباده، وحافظ وضامن، وإنما قال بعد توكيدها} فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو اليمين. قال بعض العلماء : التوكيد هو حَلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا، يردد فيه الأيمان ثلاثا أو أكثر من ذلك؛ كقوله : والله لا أُنْقصه من كذا، والله لا أُنقِصُه من كذا، والله لا أنْقِصُه من كذا. قال : فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين. وقال بعضهم هي العهود، والعهد يمين، ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفر. قال النبي صلى الله عليه وسلم : >ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند أسته بقدر غدرته، يقال هذه غدرة فلان<.

قال ابن عمر رضي الله عنهما : التوكيد هو أن يحلف مرتين، فإن حَلف واحدة فلا كفارة فيه.

اللهم احفظنا وجميع المسلمين في إيمانِنا وأْيماننا ووفقنا لأن نكون أوفياء بالعهود التي أمرتنا بالوفاء بها آمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على حبيبه وآله المصطفى

أيها الإخوة المؤمنون : الوفاء بالعهود وتنفيذ العقود بينك وبين الناس من شيم المؤمنين الصالحين، الذين سمت أخلاقهم فلم تعد تؤثر فيهم شهوات الدينا الفانية التي لا تدوم لأحد من خلق الله، فأنت بذلك ترضي ربك في الدرجة الأولى، الذي أمرك بقوله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل : {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} أي بالعهود المؤكدة، الآية الكريمة الأولى من سورة المائدة.

وتُرضِي نفسك وتريح عقلك في الدرجة الثانية، وبعد ذلك تريح غيرك الذي تعاهدت معه على أمر من الأمور.

إن الوفاء بالعهود مرتبط في المرتبة الأولى بدرجة من درجات الإحسان الذي يتعدى خيره إلى جميع الأطراف ولا يخص طرفا واحداً معينا بنفسه.

ما هو الوعد الكاذب؟

عند أهل اللغة : اللسان سباق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا وذلك من أمارات النفاق.

قال الله جل وعلا : {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل من كتابه العزيز، فقال : {إنه كان صادق الوعد}(مريم : 54) قيل : إنه وعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه ذلك الإنسان بل نسي، فبقي إسماعيل اثنين وعشرين يوما في انتظاره.

ولما حضرت عبد الله بن عمر الوفاة قال : إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش وقد كان إليه مني شبه الوعد، فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق! أشهدكم أني قد زوجته ابنتي.

وكان ابن مسعود رضي الله عنهما لا يعِدُ وعداً إلا ويقول : إن شاء الله، وهو الأولى.

فاللهم منزل الكتاب ومنشئ السحاب وهازم الأحزاب، أنت قيوم السموات والأرض، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين…..

ذ. محمد ابن شقرون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *