المفهوم الجديد للجمال


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد، قديما كان الجميع يتوق  للأصالة والجمال في كل شيء، وكان الإنسان مهووسا بالفكر الجميل والقصيدة الجميلة والمقال الجميل واللحن الجميل والموسيقا الجميلة والصوت الجميل… وقس على ذلك من شتى مظاهر الجمال الحقيقي، كما كان الشيء إذا كان جميلا فهو جميل ولا يختلف حوله اثنان، ولا داعي للتشكيك في جماله فأغلب الناس يشهدون له بذلك، أما الآن في عصر العولمة والإنترنت والهاتف المحمول، فقد اختلف كل شيء وأصبح للجمال مفهوم جديد، فالأشياء التي كانت جميلة في الفترة الماضية وفي أيام الزمن الجميل ليست بالضرورة جميلة الآن حسب المعايير الجديدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر فالموسيقا الجميلة في هذا العصر الغريب مرادفة للضجيج فأينما وجدت ضجيجا أو أنغاما تشق الرأس وتثقب طبلة الأذن فثمة نموذج من نماذج الجمال، أما بالنسبة للغناء فلم يعد الصوت الجميل هو ذلك الذي يملك مساحات واسعة ويستطيع الانتقال ببراعة من مقام موسيقي إلى آخر، بل أصبح جمال الصوت مرادفا لأنكر الأصوات وأزعجها، فأينما سمعت صوتا نشازا غريبا فلتقف إجلالا له واحتراما، أما بالنسبة لعالم الكتابة والإبداع فالأمر تغير رأسا على عقب، فلم يعد المقال الجميل هو ذلك المقال المتناسق والمنظم في أفكاره والمكتوب بلغة عربية فصيحة، بل أصبح المقال الجميل هو ذلك المقال الغريب المشتت والمكتوب باللهجة الدارجة لأن الكتابة باللغة العربية – لغة القرآن – لم تعد هذه الأيام مسايرة للموضة، أما بالنسبة للمرأة نصف المجتمع- فلم يعد جمالها يقدر بما تملكه من حشمة ووقار وأخلاق عالية، بل أصبح جمالها مقرونا بدرجة تفسخها وانحلالها وسفالتها، وإلا ستتهم بأنها معقدة ومتخلفة، أما بالنسبة للباس والهندام الجميلين هذه الأيام فلم تعد الأناقة والاستحمام والذهاب عند الحلاق موضة هذه الأيام، فلكي تبدو جميلا أنيقا في عصر العولمة والإنترنت يلزمك أن ترتدي ما لذ وطاب من الأسمال البالية والمرقعة والمتسخة وأن تمشي في الشارع منفوش الشعر، مزيت الوجه، ممزق الملابس حتى يفتن بك الجميع، وصفوة القول أن الجمال أصبح له مفهوم جديد مرادف للقذارة والحقارة في كل شيء، وإذا أردت أن تصبح جميلا في هذا العصر، فيكفي أن تكون متسخ الفكر والجسد معا حتى يرضى عنك بعض دعاة التقدم والحداثة، وإلا ستتهم بالتزمت والتخلف.

وعلى العموم فمهما يكن في هذا العصر الغريب من قلب صارخ للمفاهيم، وتزييف للحقائق، فيبقى مفهوم الجمال الحقيقي هو الجمال الذي بينه لنا شرعنا الحنيف، والذي يتمظهر في جمال الفكر وجمال الصورة وجمال الذوق وجمال الخلق، وقس على ذلك من شتى أنواع الجمال الحقيقي، التي زخرت بها عدة نصوص شرعية، وعلى سبيل المثال لا الحصر قوله صلى الله عليه وسلم : >إن الله جميل يحب الجمال<(1)، وعليه فلاينبغي للإنسان المسلم أن ينبهر ببعض المظاهر المزيفة والحقيرة والخبيثة والتي يعتبرها البعض نوعا من أنواع الجمال، فلا يستوي الخبيث ولا الطيب أبدا مصداقا لقول الله عز وجل في محكم كتابه العزيز : {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأالْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَِ}(المائدة : 100)، صدق الله العظيم.

صلاح الدين دكداك

—–

*- باحث جامعي في الفقه والقانون بصف الدكتوراه بكلية الشريعة بفاس.

1-  مستدرك الحاكم -كتاب الإيمان -حديث رقم: 70.

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *