الرسالة الخامسة: فضل صلاة الجماعة(6)


اهتمام سلف الأمة بصلاة الجماعة

ولسلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم مواقف تدل على إدراك عظيم لفضل صلاة الجماعة وسعيهم لنيله وحرصهم على دعوة الآخرين لأدائها في جماعة، وسأذكر بعون الله تعالى بعض تلك المواقف في هذا المطلب تحت العناوين التالية :

أ- المقاربة في الخطا عند المشي إلى المسجد :

ومما يدل على إدراك سلف هذه الأمة عظيم ثواب صلاة الجماعة وحرصهم على نيله أن بعضهم كان يقارب خطاه عند ذهابه إلى المسجد كي يكثر خطاه فيكثر ثوابه فقد روى الإمام البخاري عن ثابت أنه كان مع انس رضي الله عنه بالزاوية فوق غرفة له فسمع الآذان فنزل ونزلت فقارب في الخطى فقال : كنت مع زيد بن ثابت رضي الله عنه فمشى بي هذه المشية وقال: أتدري لم فعلت بك ذلك ؟ فان النبي صلى الله عليه وسلم مشى بي تلك المشية وقال: أتدري لم مشيت بك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال : ليكثر عدد خطانا في طلب الصلاة..

ب _ المداومة على حضور صلاة الجماعة :

لقد ثبت عن بعض سلف هذه الأمة الاهتمام المستمر بصلاة الجماعة والمواظبة على حضورها لسنوات طويلة. فقد ذكر الإمام ابن المبارك عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال :(ما دخل وقت صلاة قط حتى أشتاق إليها).. ولم يكن  رضي الله عنه عنه يشتاق إلى الصلاة فحسب بل كان يستعد لها قبل إقامتها، فقد ذكر الحافظ الذهبي عنه أنه قال : (ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء)…

وكان سعيد بن المسيب يحضر المسجد قبل الأذان واستمر على ذلك مدة لاتقل عن ثلاثين سنة فقد روى الإمام أبو شيبة عن سعيد بن المسيب قال : (ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد) …

ولم تفت صلاة الجماعة سعيد بن المسيب أربعين سنة فقد روى الإمام ابن سعد : (ما فاتت ابن المسيب صلاة الجماعة منذ أربعين سنة)…

ج-  ترك العلاج حرصا على جماعة العشاء والفجر:

ومما يدل على ذلك مارواه الإمام ابن سعد عن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه اشتكى عينه فقالوا : (لو خرجت يا أبا محمد إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة لوجدت لذلك خفة).. والعقيق كما قال القاضي عياض هو واد عليه أموال أهل المدينة. فقال ابن المسيب : (فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح)..

الله أكبر ! يتحمل سعيد بن المسيب مرضا في العين لكنه لا يتحمل تفويت صلاتي الفجر والعشاء في جماعة فأين نحن من هؤلاء؟

د- حضور المرضى صلاة الجماعة :

ومما يدل على ذلك الصحابي الجليل أبي بن كعب حيث كان يسأل الله الحمى كي تكفر سيئاته لكنه يسأل مع هذا أن لا يمنعه مرضه من أمور وذكر منها: حضور المسجد لأداء الصلاة المكتوبة مع الجماعة. فقد روى الإمام أحمد والإمام أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا مالنا بها؟

قال صلى الله عليه وسلم : كفارات ..

قال أبي بن كعب رضي الله عنه : وان قلّت؟

قال عليه الصلاة والسلام: (وإن شوكة فما فوقها..).

قال : فدعا أبي بن كعب رضي الله عنه على نفسه أن لا يفارقه الوعك أي الحمى حتى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولاجهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة.. فما مسه إنسان إلا وجد حرها حتى مات!!

ما أحرصه رضي الله عنه على تكفير سيئاته حيث دعا أن يصيبه الوعك لكنه مع ذلك رغب في أن لا يحرم من أربعة أمور ومنها حضور صلاة الجماعة..

هـ- الذهاب إلى المسجد في الظروف الصعبة :

ومما يدل على حرص سلف الأمة على نيل ثواب صلاة الجماعة سعيهم إليها في الظروف الصعبة ومن ذلك ما روي أنه قيل لسعيد بن المسيب : (أن طارقا يريد قتلك فتغيب).

فقال : (أبحيث لا يقدر الله علي) ؟

فقيل له : اجلس في بيتك.

فقال : أسمع حي على الفلاح فلا أجيب!!!

و- اهتمام ولي الأمر بصلاة الجماعة :

ومما يؤكد اهتمام سلف الأمة بصلاة الجماعة ما نجد من عناية ولاة أمور المسلمين الأوائل بها. فعلى سبيل المثال نجد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما بعث غلاما إلى من كان قد ذهب بصره كي يقوده إلى المسجد فقد روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال : جاء عمر رضي الله عنه سعيد بن يربوع إلى منزله فعزاه في ذهاب بصره وقال : (لا تدع الجمعة ولا الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم).. قال :”ليس لي قائد”.. فقال الفاروق : “فنحن نبعث إليك بقائد” فبعث إليه بغلام من السبي.

ونجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يمر في الطريق مناديا (الصلاة، الصلاة) كان يوقظ بذلك الناس لصلاة الفجر وكان رضي الله عنه يفعل ذلك كل يوم…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *