التوجه الكوني لهذا الدين


الجدل حول طبيعة الإسراء والمعراج محسوم في فكر الإسلام ووجدان المسلمين منذ اللحظة التاريخية التي أعلن عنهما فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

محسوم باتجاه التوحّد الذي يرفض الثنائية والتجزئة والتقطيع والذي جاء هذا الدين لكي يتعامل بميزانه مع الإنسان.

وكل ما أثير بعد لحظة اليقين تلك والمستمد من عجينة الإسلام لا يعدو أن يكون انحرافاً، بدرجة أو أخرى، عن الصراط، رغم سلامة النيّة وحسن القصد حيناً بعد حين.

لكن يبقى دائماً ما هو أكثر إلحاحاً وإلزاماً من سلامة النية وحسن القصد.. تبقى رؤية الإسلام المؤكدة التي يتميز بها عن سائر الرؤى والمعتقدات : إن هذا الدين جاء لكي يتعامل مع الإنسان.. وكل ما سيتمخض عنه.. كل ما سيعبّر عنه، منبثقاً من نسيجه المتفرّد، أو راجعاً إلى مصبّه المتوحّد الكبير، لن يكون إلاّ الالتحام الفذّ بين الروحي والجسدي.. بين الوجداني والعقلي.. بين المغيّب والمنظور..

ولن نكون مسلمين بحقّ إن خطر على بالنا ـ لحظة ـ ان العالم والكون والوجود ليست سوى وجهاً واحداً.. بعداً واحداً، وأن ليس ثمة وراء الوجه أوجه أخرى أو أبعادا شتى..

ذلك هو قدرنا كمسلمين، وذلك ـ أيضا ـ هو تميّزنا على سائر أتباع المذاهب والأديان.

إن إسراء رسولنا المعلّم عليه أفضل الصلاة والسلام، ومعراجه من بعد إلى السماء، بعيداً عن الحيثيات المنظورة للزمن والمكان.. بل بمواجهتهما تماما.. لأمر يثير الدهشة، ومن ثم فهو يحتمل المزيد من القول.

ولقد قيل في الحدث -فعلاً- قولاً كثيرا، وكتب فيه بكرة وأصيلا.. ويبقى رغم كل ما قيل وكتب يتطلب المزيد.

إن الحدث يحمل مغزاه الواضح على التوجه الكوني لهذا الدين.. رفض الأسر في هذا العالم الضيّق والانحسار في فضائه القريب.. والانطلاق بعيداً في المدى حيث تتساقط الحواجز وتذوب الفواصل ولا تكون الأمكنة والأزمنة التي قطّعتها المذاهب والأديان سوى مكانا واحدا وزماناً موصولاً أريد لهذا الدين أن يضع الإنسان في ساحته الكبرى ويدفع به في مجراه الذي يصل بين الأبدية والخلود.

لقد قالها الفاتحون الذين خرجوا لممارسة مهمتّهم التحريرية في العالم : >جئنا لكي نخرج الناس من ضيق الدنيا إلى سعتها..<.

إن انفكاك رسول الله صلى الله عليه وسلم من الارتباط بالأرض ومضيّه صعدا صوب الأعالي، لهو واحد من المؤشّرات التي ستتأكد تاريخياً فيما بعد.

فلم تكن مهمة المسلم في العالم، ولن تكون، سوى المضي بالإنسان صعداً، وتحريره من كل ما من شأنه أن يصدّه عن أن يكون في حالة تقابل فعّال مع السماوات.

إن المذاهب الوضعية تضع الإنسان حيناً في دائرة الحسّ، وحيناً في رغبات الجسد، وحيناً في مطالب الجغرافيا أو البيئة أو الطبقة.. ولكن هاهنا، في دائرة الفعل الإسلامي، فان الإنسان يراد له أن يتحرّر.. يطلب منه أن يتحرّر من هذا كلّه، وذلك بحدّ ذاته كسب لا يعدله كسب، لأننا ها هنا سنكون بإزاء الإنسان الكوني الذي يكون كفاء مهمته في العالم وخلافته في الأرض.

إن الوضعيات البشرية والكهنوتيات المحرّفة للأديان، مزقت الإنسان وأقامت بين أشلائه وتفاريقه الحواجز والأسلاك الشائكة. وكان مردود ذلك، وسيظل، مزيداً من التعاسة والتمزّق والشقاء.. أما هنا، حيث يكون الحدث الكبير تأكيداً للتوحّد البشري بين الروح والجسد، فان الوئام النفسي يبلغ مداه في دين أريد له أن يحمي وحدة ابن آدم من التشتّت والتبعثر، وأن يدفع بها في قلب العالم أكثر توحّداً وسعادة وائتمانا.. وأكثر ـ بالتالي ـ قدرة على الفاعلية والعطاء.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تلّقى لحظة إسرائه تذكرة عبور للعالم وصعود للسماوات العليا، فيما منحه الفرح والسعادة بمواجهة، أو فوق، كل الأحزان والمرارات التي حاصرته وعذّبته طويلا.. فإنها ستظل التذكرة نفسها التي ستعبر بالبشرية كلها تخوم العالم الضيّق إلى الكون، وتمنح الإنسان في كل زمن ومكان، الفرح والسعادة التي تعلو به على الأحزان والمرارات، وتفكّه من أوهاق الحصار والعذاب.. وما أكثرها وأمرّها!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *