{وهو يتولى الصالحين}


قال تعالى : {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين}(الأعراف : 196) هنيئا لكم جماعة الصالحين : فإن الله جل وعلا يتولاكم، ومن تولاه الله كفاه في دينه ودنياه وآخرته، فيا سعدكم ويا سعادتكم، هذا رب العالمين يتولاكم بحفظه فلا تصل إليكم أيدي العابثين، ولا تضركم وساوس الشياطين، يتولاكم الحق سبحانه بنصره، فلا تهزمكم رغبات النفوس، ولا يغلبكم أهل الكفر من يهود ونصارى ومجوس، {فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون والله معكم}.

أيها الصالحون : إن أصحاب الأموال يبحثون دوما عمن يحمي أموالهم من السراق، ويخافون باستمرار من نفادها، مع ما بين أيديهم من العَسَس والحرس! وإن أصحاب الكراسي يخططون بالليل والنهار من أجل المحافظة عليها، وأكبر ما يفزعهم هو التفكير في ذهابها وضياعها مع ما عندهم من الجنود والعساكر!!! وأما أنتم فليس هناك ما يرعبكم أو يفزعكم ويقلقكم، وإنما أنتم في راحة نفس، وطمأنينة بال، لأن الله هو من يتولاهم لصلاحكم، ويالفوز من تولاه الله! والله الذي لارب سواه إن الأموال لا تنفع، والمناصب لا تفيد إذا لم تكن عناية الله حاضرة، فإذا حضرت كفت، وإذا غابت فلا قيمة لشيء إطلاقا.

وإذا العناية لا حظتك عيونها

فنم فالمخاوف كلهن أمان

وإلا فكل ما تظنه أمنا قد يصير خوفا، وكل ما تراه نعمة قد يتحول إلى نقمة، وقد قيل :

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأكثر ما يجني عليه اجتهاد

ولقد نطق القرآن الكريم بهذه الحقيقة في كثير من آياته، ومنها قوله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}(يونس : 62- 63 -64) وهل من ولاية بدون صلاح؟ وهل من صلاح بدون إيمان وتقوى؟ اللهم لا، وأنتم آمنتم واتقيتم فدخلتم في سلك الصالحين، فجعلكم الله من أوليائه، وهو سبحانه لا يتخلى عن ولي من أوليائه، ولا يقبل من أحد أن يمسه بمكروه وفي الحديث القدسي : >من عادى لي وليا فقد  آذنته بالحرب..<(رواه البخاري).

وإني لأعجب -ولعلكم تعجبون معي- من أناس يعملون بجد واجتهاد من أجل تأمين مستقبل أولادهم من حيث المال والسكن والوظيف.. ولا يفكرون -على الأقل- فيما يحمون به مُستقبلهم من التدين والصلاح، وربطهم بمن يملك كل شيء، ويتصرف في كل شيء، وهو الله سبحانه.

إن المال لا يصنع مستقبلا، وإن السكن لا يحمي من الضياع، وإن الوظيفة لا تدفع الاحتياج، فكل ذلك عارية في مهب الريح مالم تُسيَّجْ بعناية ربانية مبدؤها صالح الأصول ومرتكزها صلاح المعني بالأمر.

عندما حضرت عمر بن عبد العزيز رحمه الله الوفاة قيل له : هؤلاء بنوك -وكانوا اثني عشر- ألا توصي لهم بشيء فإنهم فقراء؟ فقال : {إن وليي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين} والله لا أعطيتهم حق أحد وهم بين رجلين، إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فما كنت لأعينه على فسقه، وفي رواية فلا أبالي في أي واد هلك، وفي رواية، أفأدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت؟ ما كنت لأفعل، ثم استدعى بأولاده فودعهم وعزاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام، ثم قال : انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم، قال : فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرساً في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك -مع كثرة ما ترك لهم من الأموال- يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز لأن عمر وكل أولاده إلى الله عز وجل، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يَدَعُون لهم، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم<(1).

فتأمل هذا الفقه من عمر رحمه الله، وهذه النتيجة التي صار إليها أولاده وتلك التي وصل إليها أولاد سليمان.

—-

1- البداية والنهاية لابن كثير 213/9.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *