وســائـل الـدعـوة


تتعد وسائل الدعوة كثيرا ومن جملة ذلك:

1- الإيمان بالله وحده ومعرفته حق المعرفة : فالإيمان الجازم إذا خالطت بشاشة القلوب يزن الجبال ولا يطيش، وإن صاحب هذا الإيمان المحكم، وهذا اليقين الجازم، يرى متاعب الدنيا مهما كثرت وكبرت وتفاقمت، واشتدت، يراها في جنب إيمانه طحالب عائمة فوق سيل جارف ليكسر السدود المنيعة، والقلاع الحصنية فلا يبالي بشيء من تلك المتاعب، أمام ما يجده من حلاوة إيمانه، وطراوة إذعانه، وبشاشة يقينه {فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}(الرعد : 17).

ويتفرع من هذا السبب الوحيد أسباب أخرى تقوّي هذا الثبات والمصابرة، وهي :

2- قيادة تهوي إليها الأفئدة : فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأعلى للأمة الإسلامية بل وللبشرية جمعاء يتمتع بجمال الخلق، وكمال النفس، ومكارم الأخلاق، والشيم النبيلة والشمائل الكريمة بما تتجاذب إليه القلوب، وتتفانى دونه النفوس، وكانت أنصبته من الكمال الذي يعشق، لم يرزق بمثلها بشر، وكان على أعلى قمة من الشرف والنبل والخير والفضل، وكان من العفة والأمانة والصدق، ومن جميع سبل الخير على ما لم يتمار، ولم يشك فيه أعداؤه، فضلا عن محبيه ورفقائه، لا تصدر منه كلمة إلا ويستيقنون صدقها.

3- الشعور بالمسؤولية : فكان الصحابة يشعرون شعورا تاما ما على كواهل البشر، من المسؤولية الفخمة الضخمة، أن هذه المسؤولية لا يمكن عنها الحياد والإنحراف بحال، فالعواقب التي تترتب على الفرار عن تحملها أشد وخامة، وأكبر ضررا عمّا هم فيه من الإضطهاد، وأن الخسارة التي تلحقهم -وتلحق البشرية جمعاء- بعد هذا الفرار لا يقاس بحال على المتاعب التي كانوا يواجهونها : نتيجة هذا التحمل.

4- الإيمان بالآخرة : وهو ممّا كان يقوّي هذا الشعور -الشعور بالمسؤولية- فقد كانوا على يقين جازم من أنهم يقومون لرب العالمين يحاسبون بأعمالهم دقّها وجلّها، صغيرها وكبيرها، فإمّا إلى النعيم المقيم، وإما إلى عذاب خالد في سواء الجحيم، فكانوا يقضون حياتهم بين الخوف والرجاء، يرجون رحمة ربهم، ويخافون عذابه، وكانوا {يؤْتُون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}(المؤمنون : 60).

5- القرآن : وفي هذه الفترات العصيبة الرهيبة الحالكة كانت تتنزل السور والآيات تقيم الحجج والبراهين على مبادئ الإسلام التي كانت “الدعوة” تدور حولها بأساليب منيعة خلابة، وترشد المسلمين إلى أسس قدّر الله أن يتكون عليها أعظم وأروع مجتمع بشري في العالم وهو المجتمع الإسلامي وتثير مشاعر المسلمين ونوازعهم على الصبر والتجلد؛ تضرب لذلك الأمثال، وتبين لهم ما فيه من الحكم {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}(البقرة : 214) {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}(العنكبوت : 1- 3).

6- البشارات بالنجاح : كان المسلمون يعرفون منذ أول يوم لاقوا فيه الشدة والإضطهاد بل ومن قبله. أن الدخول في الإسلام ليس معناه جر المصائب والحتوف بل إن “الدعوة الإسلامية” تهدف منذ أول يومها إلى القضاء على الجاهلية الجهلاء، ونظامها الغاشم، وأن من أهدافها الأساسية بسط النفوذ على الأرض والسيطرة على الموقف السياسي في العالم؛ لتقود الأمة الإنسانية والجمعية البشرية إلى مرضاة الله، وتخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله، وفي هذه الفترات نزلت آيات تصرح ببشارة غلبة المؤمنين، قال تعالى : {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنّهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين}(الصافات : 171- 178) وقال : {سيهزم الجمع ويولون الدبر}(القمر : 45) وقال : {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب}(ص : 11) ونزلت في الذين هاجروا إلى الحبشة : {والذين هاجروا في الله من بعدما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}(النحل : 41).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يقوم بمثل هذه البشارات بين آونة وأخرى، فكان إذا وافى الموسم، وقام بين الناس في عكاظ، ومجنة وذي المجاز، لتبليغ الرسالة، لم يكن يبشرهم بالجنة فحسب، بل يقول لهم بكل صراحة : {يا أيها الناس : قولوا لا إلا إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة}.

ماجدة القرشي – فاس –

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *