هذا الملف “اللغة العربية”


تشكل اللغة العربية إحدى المداخل الرئيسة لفهم الإنسان تفكيراً وتعبيرًا وتدبيرًا، فرداً ومجتمعا، وفي حركته وفعله في الزمان والمكان، وكل مشاكل الإنسان تتجسد في اللغة، والعكس صحيح، لذلك كان الحديث عن اللغة عند الانسان حديثاً عن المجتمع والحضارة والهوية في الوقت ذاته، وحديثاً عن الثقافة والفكر والقيم، والحديث عن قوة اللغة وضعفها وتحدياتها لا ينفصل عن الحديث عن قوة الأمة المستعملة لها وضعفها وتحدياتها أيضا، والتفكير في تنمية اللغة لا ينفصل عن التفكير في تنمية الإنسان ذاته.

ولما كانت الأمة الاسلامية تتميز بخصوصية متميزة لغة وفكراً ودينا ورسالة، وتعاني هذه الأمة من وضعية حضارية تواجه تحديات عديدة، فإن اللغة العربية -من حيث هي لغة هذه الأمة- واللغة التي اختارها الخالق الباري ليخاطب بها العالمين- تعاني جملة تحديات لا تنفصل في جوهرها عن طبيعة تحديات هذه الأمة، الفكرية والعلمية والسياسية والاجتماعية، الثقافية والحضارية ولما كانت اللغة العربية تمثل للأمة المسلمة رمزاً ثقافيا ثقيل الدلالات الدينية والقيمية والتاريخية يسم هذه الأمة ويخصها، بحيث لا ينفصل فيها الدين عن الثقافة وعن اللغة.

ولذلك تعددت محاولات القضاء على هذه الأمة ومن أبرز المحاولات محاولة القضاء على هذه اللغة المقدسة لقداسة المتكلم بها : (الله ورسوله). وإن الوعي بهذا التعلق بين هذه المكونات وهذه المحاولات يجعل أي مشروع للتنمية الانساية في الأمة للنهوض بها إلى مستوى الشهود الحضاري يقتضي عدم الفصل بين التنمية الإنسانية (مصطلح مفضل على مصطلح التنمية البشرية) وبين تنمية اللغة العربية وإن الفصل بينهما -بوعي أو بغير وعي- فصل يصيب الأمة المسلمة في مقاتلها.

وقد سبق للجريدة أن نشرت في عدد سابق تقريرين عن ندوتين أقيمتا بالجهة الشرقية للمغرب في فترة واحدة عن اللغة العربية والتحديات (ندوة فگيگ) واللغة العربية والتنمية البشرية (ندوة وجدة)، وقد حصلت الجريدة على بعض عروض وكلمات الأساتذة  المشاركين تعالج بعض جوانب هذه المعضلة.

وسيجد القارئ الكريم في هذا العدد مقالات نبعت من عمق وعي أصحابها بصعوبة الوضع العام الذي تعيشه الأمة المسلمة عامة واللغة العربية خاصة، وعي رافق الشعور بضرورة تشخيص بعض معالم التحديات والتنبيه إلى ضرورة إعادة وعي الأمة بذاتها وبمقوماتها اللغوية والثقافية والدينية والحضارية، وعي ينطلق من ضرورة الشروع في مشروع النماء الانساني للأمة المسلمة من منطلق شمولي يركز على ما هو مادي ومعنوي، وعلى تناسق مكونات البناء الثقافي للأمة، فنرجو للقارئ الكريم زيادة في الخير والعلم والعمل.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *