من الكلمة الافتتاحية لجمعية آل عبد الوافي الفجيجي وجمعية “البلاغ الجديد للثقافة والفن


د. عبد الرحمن عبد الوافي

“اللغة العربية وتحديات العصر” ذلكم هذا الموضوع الذي اختارته اللجنة التنظيمية ليكون محور هذا الملتقى، ملتقى فكيك الرابع لخدمة القرآن والسنة الذي نحمد الله تعالى أن جمعنا مرة أخرى بين ظهرانيه ولعمري إن الموضوع المختار لموضوع خطير خطير باعتبار العربية التي يتعلق بها لغة كتاب الله؛ القرآن العظيم وحديث رسوله الشريف من وجهة، وباعتبار ما آلت إليه هذه اللغة  من المصطفى  عند الله من ضعف وهَوَان ببلادنا من جهة ثانية، الأمر الذي أدخل الهم والحزن في قلب كل مواطن غيور، ولا غرو فالعربية إلى جانب كونها لغة الدين كما أومأنا مكثت لغة للحضارة الإسلامية التي سادت المشارق والمغارب قرونا طوالا حتى أصبحت بحق سيدة اللغات، وأصبح حرفها سيد الحروف وحضارتها سيدة الحضارات إن على المستوى المادي بما أبدعت من علوم وفنون أو على المستوى الروحي بما تميزت به من خصائص مثلي نحو الربانية والوسطية والسماحة وما إليها من خصائص مستمدة بطبيعة الحال من الدين الإسلامي الذي تنتسب إليه.

أجل، لقد ضعفت مكانة العربية بلادنا اليوم ضعفا شديدا -بعد قوتها المومأ إليها- وإن لضعفها هذا لمظاهر وعلامات واضحة بل صارخة، فقد تكالبت عليها عوامل القضاء المتعمد بل الممنهج حتى غدت محرومة من ممارسة حقها الحضاري والدستوري في جل المجالات الحيوية الإدارية منها والاقتصادية والتعليمية والإعلامية وهو ما نكتفي هنا بالتلميح إليه، لأن الوقوف عنده بالتفصيل المطلوب هو ما ننتظره من ملتقانا المبارك هذا، إلا أن في النفس حسرات لا مناص من الإفضاء فيها ها هنا بين ظهراني هذا الجمع الغيور، ويتعلق الأمر بأحد أكبر مظاهر السقوط التراجيدي للعربية في هذا البلد، وأفظع مؤشر على التغلغل الفرنكفوني في نسيجنا الاجتماعي، ألا وهو المظهر  الذي يصدم نظر المواطنين المغاربة ونفوسهم – لاسيما سكان المدن والمتمثل في الآلاف المؤلفة إن لم نقل من الملايين من لافتتات المؤسسات والمحلات التجارية التي أصبح الحرف اللاتيني يتربع فيها تربع السيد -بعد أن تم إقصاء الحرف العربي منها- حتى إن المرء ليتوهم وهو في قلب الدار البيضاء مثلا بأنه في قلب باريز، فلا يسعه أن كان من بقيت فيه بقية من الوطنية إلا أن يستشعر الغربة في بلده وبين أهله وذويه، مما يجعله ضحية للبؤس من جراء الهزيمة الحضارية التي أصبحت تطال الفئات الشعبية بعد أن كان أثرها محدودا في النخبة المغربية ذات التوجه الفرنكفوني وهو التوجه المهيمن على ساحتنا الوطنية في هذه المرحلة مع الأسف الشديد.

ومن الواضح أن اكتساح الحرف اللاتيني عبر اللغة الفرنسية لمواقع الحرف العربي بهذه الصورة المخجلة لا يمكن بحال أن يبرر مرة أخرى بالشعارات البراقة نحو الحداثة والانفتاح والقيم الكونية وما إليها، إذ لا علاقة بين الاكتساح اللغوي الفرنكفوني الاستعماري وبين تلك الشعارات البتة، مادام التفاعل الإيجابي بين الحضارات إنما يتم كما هو معلوم انطلاقا من لغة الذات ودين الذات وحضارة الذات، أي من كل ما يشكل خصوصيات ذات  أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *