دُستُور الحَقّ المُرْسِي لقُوّة الأُمّة المُتلاحِمة على الحَقِّ


إن منهَج الإسلام يقومُ أساساً على بناءِ الفردِ بِنَاءً متيناً من الناحية الأخلاقية، ليكون لبِنَة صالحةً لبناءِ مجتمع صالحٍ يُنْتِجُ أمّةً صالحةً، ودولةً صالحةً، وحضارةً فريدةً.

ومنْبعُ الأخلاقِ المتينة الإخلاصُ للّه تعالى وحده، ولا يتحقَّقُ الإخلاص لله تحقُّقاً كاملا إلا إذا تُوِّجَ بالصِّدق مع الله عز وجل قوْلاً وعملا ومحبةً وانتماءً وشعوراً ومُيُولاً وعواطف مصداقاً لقول رسول الله  : >لا يُومِنُ أحَدُكُم حتَّى يكُونَ هواهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِه<.

ودعامَةُ الصدق الاستقامةُ التامةُ مع منهَج الله تعالى فلا اعوجاجَ في الفكر، ولا اعوجاجَ في القول، ولا اعوجاجَ في السلوك والخُلُق، ولا اعوجاجَ في الهدَفِ والوسيلة، ولا اعوجَاجَ في الفهم لمقاصِد الإسلام ومبادئه الأساسيّة، ولكنْ ظاهرٌ جَمِيلٌ ينِمُّ عن باطنٍ أجْمَلَ منْه وأطْهَرَ، وعلانيةٌ جميلةٌ تنِمُّ عن ضميرٍ أنْقَى وأزْكَى، إذْ باتِّحادِ الباطنِ والظاهِر يتمُّ بناءُ الشخصية المُسْلمة بناءً مُحكَماً متكامِلاً لا خَلَل فيه ولا انفصام {إنّ الذِين قَالُوا ربُّنا الله ثُمّ اسْتقَامُوا فلاَ خَوْفٌ عليهِم ولا هُمْ يحْزَنُون}(الأحقاف : 12).

فإذا وقَعَ الفِصامُ بين القول والعَمَل، بيْن الظاهر والباطن حدثَتِ الكارثةُ، وأصبحَ الانتماءُ للإسلام انتماءً مزيَّفاً لا يُساوِي شيئاً، ولا قيمةَ له لا عندَ الله عز وجل ولا عند الناس، إذْ يُصْبح الانتماءُ كالعُملة المُزَيّفة لا رواجَ لها في الأسواق، ولا نجَاة لمزيِّفها من العقاب.

ولعِظم جريمة التّزييف كانتِ الحمْلةُ شديدةً على المُزيِّفين في القرآن والسّنة قال تعالى : {يا أيُّها الذِين آمَنُوا لِم تَقُولُون مالاَ تفْعَلُون كَبُرَ مقْتاً عِنْدَ اللّهِ أن تَقُولُوا مالاَ تفْعَلُون}(الصف : 3) {أتَامُرُون النّاسَ بالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُم وأنْتُم تتْلُون الكِتابِ أفلا تعْقِلُون}(البقرة : 43) وقال  : >آيةُ المُنافِقِ ثلاثٌ : إذَا حدَّث كَذَب، وإذَا وعَدَ أخْلَف، وإذاَ أُؤْتُمِن خانَ<(متفق عليه) فالمنافق المُزَيِّفُ انتسابَهُ للإسلام لا قيمَة له عند الله، لأنه لا عقْل له ولا ضمير، ولأنه فاقِدٌ الأهلية التي تجعلُه أهْلاً للمسؤولية وحمْل الأمانة.

إذا كان المنافق -في الإسلام- ليس أهلاً لتحمُّل الأمانة، ونشْرِ الرسالةِ لتكذيب حالِه لمقاله، أفيكُون الكافرُ صراحةً أهلاً للثقةِ فيما يدّعيه -بكل جرأةٍ ووقاحةٍ- أنه يحمل رسالة الديمقراطية للمحرومين، من خيراتها وبركاتها -في زعمه- بينما شواهِدُ الحال في مختلفِ البلاد الإسلامية تصفعُه وتصْرُخ في وجهه بالمسخ والتكذيب؟!

إن أساسَ الديمقراطية حُرّيّةُ الاختيار، وما سُلط ويُسَلَّط على الشعوب المسلمة من قمْع واستعمار وتجويع وتشريد وسجن وتقتيل وإهانةٍ وإذلالٍ إلاّ لسَلْب حُرّيّة الإرادة، وسلْب حرِّيَّة الاختيار على أساس مرجعيّة هذه الشعوب، وأساس هويَّتها وأصالتها وشرعية وجودها لسلْخها عن روحِها ومسْخ كيانها.

والعجبُ كُلّ العب أن يتعَمْلَق زعماءُ الكفر إلى درجة أن ينصِّبُوا من أنفسهم أئِمَّةَ التوجيه والإرشاد والإنقاذِ من مهالك الديكتاتورية انطلاقاً من الاعتقادِ الراسخ بأنهم شِبْه (الأنبياء) المكلّفين بتبليغ ر سالة الديمقراطية إلى العالم الإسلامي!!! فمن حَقِّهم الاحتلالُ للشعوب المسلمة وتدميرُها!!! ومن حقهم إعادة صياغتها وفْق الرسالة الموهومة، ليتسَنّى لهم استحمارُها إلى أمَدٍ بعيد؟!!

وأعجبُ من ذلك وأغْربُ أن يتلَقّى كبارُ قومِنا الأمْرَ بَسلبيّة تامةٍ، واستسلامٍ كامِلٍ، كأنهم لُقَطاء لا نَسَبَ لَهُم من دينٍ، أو شَرْعٍ، أو تاريخٍ، أو حضارة، أو رسالة..؟! أو كأنهم منبوذون لاسَنَد لهم من الأرض أو السماء؟!

> أليس في ديننا قولُ الله تعالى للرسول  ولأتباعه : {وشاوِرْهُم فِي الأمْرِ}(آل عمران : 159) أي شاورهم في كل أمْرٍ لم ينزل فيه وحْيٌ فاصِل، أو سنة ماضية؟!

> وأليس في تاريخنا الدُّسْتُور الرائع الذي بيّنَ فيه  الخليفة الأول -أبو بكر الصديق ]- الأسس الكبيرة التي على أساسها سيقودُ الأمة عن رضًى منها واختيار، حيث قال :

>قَدْ ولِّيتُ عليْكُم ولسْتُ بخَيْرِكُم، فإنْ أحْسَنْتُ فأعِينُونِي، وإنْ أسَأْتُ فقوِّمُونِي، الصِّدْقُ أمانة، والكذِبُ خِيانةٌ، والضّعِيف فيكُمْ قوِيٌّ عنْدِي حتّى أُريحَ عليه حقَّهُ إنْ شَاءَ اللّه، والقَوِيُّ فيكُم ضعِيفٌ عِنْدي حتّى آخُذَ الحقّ مِنْه إن شاءَ اللّه، لا يَدَع قوْمٌ الجِهادَ إلا ضَرَبَهُم اللّه بالذّلِّ، ولا تَشِيعُ الفَاحشَة في قوْم إلاّ عمَّهُم الله بالبَلاءِ، أطِيعُوني ما أطَعْتُ اللّه ورسُوله، فإذَا عَصَيْتُ اللّه ورسُولَه فلا طَاعَة لِي علَىْكُم<(البداية والنهاية 305/6).

فهذه الخطبة الدستورية على وجازتها :

1) تضمنت الاختيارَ الحُرّ للخليفة بدون ضغط أو إكراه، وبدون تأثرٍ بدعاية فردية، أو نسَبىّة، أو حزبيّة.

2) وتضمنت التكليفَ بالمسؤولية بدون طلبٍ لها أو رغبةٍ فيها لمصلحة شخصية أو حزبية >وُلِّيتُ عَلَيْكُم<.

3) وتضمنت تبرئة النفس من العِصْمة والقداسة  >ولسْتُ بخَيْرِكُم< لأن القداسة لله عز وجل، ولكن المجرمين اغتصبوها لأنفسهم!!!

4) وتضمنت السيادَة للشّرْع >أَطِيعُونِي ما أطَعْتُ اللّه ورَسُوله…< فالشرع هو الحاكم عليه وعلى أمته، وهو الميزان، وهو المرجعية، ولا أحَدَ فوق الشرع والقانون.

فكم من متسلط سَطَا على هذا البند، وجعَل من نفسه حاكما غير محكوم، وسائلا غير مسؤول.

5) أعطى للأمة حقّ محاسبته وتقويمه إن أساء أو زاغ.

وكم من رؤوس قُطِعتْ، وأعناقٍ شُنِقت بسبب الجهر بالحق أو مجابهة الظالِم بظلمه، والمُخْطئ بخطإه؟! >إنْ أسَأْتُ فقَوِّمُونِي<.

6) أعطى للأمة الحق في عصيانه إذا جاهَرَ بعصيانِ اللّه ورسوله >فإذا عَصَيْتُ اللّه ورسوله فلا طاعةَ لِي علَيْكُم< .

كمْ من دساتير عُدِّلتْ أو بدِّلتْ لتكريس حُكْم الفرْدِ إلى حينِ زيارة القَبْر، أو قيام عُصْبةٍ بانقلابٍ مدَمِّرٍ، أو نُشُوءِ فِتْنَةٍ تأْتِي على الأخْضَر واليابس.

7) كما تضمنت إقرارَ مبدإ العدْل والمساواة بين الناس، لا فرق في ذلك بين الغني والفقير، بين المسؤول والأجير.

8) كما تضمنت إعلانَ الحرب على الفواحش لأنّ المجتمعَ الفاسدَ محرومٌ من وِلاَية اللّه تعالى ونُصْرَته.

9) كما تضمنت إعلان شعار الصدق على أنه مبْدَأُ التعامُل بين الحاكم والمحكوم، فلا كذِبَ على الأمة،  ولا إخفاءَ للحقائق عنها، فلا تنَاوُر أو مراوغة، ولا نفْخَ في الأبواق أو مزايَدة لتضخيم التوافه من المشاريع.

10) كما تضمنت حماية الأمة من كلّ أعدائها بإعلان الجهاد في سبيل الله حتى تبقى الأمة دائما متأهِّبةً للدفاع عن كيانها، وتبليغ رسالتها.

إلى غير ذلك من المبادئ العالية التي تجعلنا -بدون فخر- أئِمّةً للعَالم يوم كان غارقاً في سُباتِ الجهل والظّلم والظلام والطغيان، وسوف نبْقى -بحمد الله- أئِمّةً رغم تطاوُل المغرورين المتسلطين، ورغم تهاوِي الهِمَم الهابطة، وتخلُّف الشعوب الجاهلة

فالمعركة القادمة في المستقبل المنظور هي معركةُ انتزاع الحرية من أيدي المغتصبين المستعمرين وجنودِهم الخائنين ليتسنى للأمة :

> أن تختار بحرية وإرادة المنهجَ الذي تُحْكَم به على بصيرة من أمرها.

> وأن تختار بحرية وإرادة المنهج الذي يجمعُ ولا يفرق.

> وأن تختار بحرية وإرادة من يحكمُها بالشرع الجامع وليس بالهوى المفرِّق.

> وأن تختار بحرية وإرادة من يمثلها في التشريعات المُنهِضة، والمشروعات المنمّية والمزكية للأنفس والأرواح والثروات.

وآنذاك تُصْبح الأمة كُلُّها متلاحمةً على الحق، متعاونة على البر والتقوى، شعارها : {إنّما المومِنُون إخوة} >والمُسْلمُ أخُو المُسلم< ووِجْهَتُها واحدة هي {ومَا كَانَ لِمُومِنٍ ولاَ مُومِنَةٍ إذَا قَضَى اللّهُ ورَسُولُه أمْراً أن تُكُونَ لَهُم الخِيرةُ مِن أمْرِهِم}(الأحزاب : 36).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *